لاجئ.. بين المنفى وذكريات وطن

blogs - emigg
‏قالوا: "ترقد لعنة الحرية على الإنسان شاء أم أبى "
لست مستعداً ربما هربت من الموت ولكنه هزمني بنوع آخر لاتفاوت به وإن اختلفت الطرق فسبيله واحد ..
قالها أحد اللاجئين السوريين .

 

كنت أرى بعينيه شجاعة ولكن شجاعة كفيلة بالحياة ليس إلا..
غرق به هذا العالم وهو لا يجيد العوم، لازال وليد صرخات حريته التي حصل عليها متأخراً ..

يسكنك الحلم وتتابع مجريات الحياة مكرها أو حتى متشبثاً بأمل لحظة لعلها تأتي!
تقف معنوياتك على شفا حفرة اليأس..
ترتطم بجدران الوجع ترتد إليك بحسرة وألم.

عاد المستبدون إلى الواجهة يضحكون على الذقون وربما الأشد إيلاماً أن الذقون تضحك لضحكاتهم وتصفق !!والدم المنسكب!!

كمواطن سوري هناك ألف قضية تسجل باسمك وفي الأغلب عليك،  وثروات طائلة تمنح لقتلك لتهجيرك لمحوك وإنهاءك وحشود من كل بقاع العالم تقف ضدك تصرخ على أرضك تقاتل تدمر وتحرق البشر قبل الشجر.

كمواطن سوري باتت قضيتك الكبرى تتناقلها ملفات الأمم يقلق بشأنها علناً الجميع .
وتحت طاولة المفاوضات يحارب من أجل إبقاءها الجميع
كمواطن سوري تعيش ألم انحراف حريتك وانجرافها لحالة تسول جماعي باسمك على المنابر.
ولا أحد يلتفت لمآساتك..
هناك هوية تحتاج لانتماء وأرض خلت من أصحابها وعاث بها الأغراب دماراً.

كمواطن سوري في كل لحظة يسألك بتهكم حلم حريتك :
_مامصيري ؟
فيهتف أحد الساسة لك :
_الزوال ..لامحال!
ويبقى أملك
تنظر من حولك
الكون يغرق تقف على شفا هاوية الوطن تنادي ذاك الصدى يردد خراب خراب..

مرَّ عامي الخامس والمنفى هويتي
والحنين يأسرني في خباياه بلارحمة
راودتنا الحرب عن أنفسنا. فشلنا بارتداء تزهد "يوسف عليه السلام " عن معاصي المستبدين وقمنا بها بلا وعي بلا بُعد لغدٍ مُرعبٍ بات الكل فيه ضدنا حتى نحن أنفسنا.
تهادينا مع سرب الحرية بربيعٍ عربي
قالوا غداً وبتنا غداً بأسوأ حالاتنا .

فشل رُقيُّ الثورات بمنح الأحرار منابرهم.. وعاد المستبدون إلى الواجهة يضحكون على الذقون وربما الأشد إيلاماً أن الذقون تضحك لضحكاتهم وتصفق !!والدم المنسكب!!
الأرواح التي أرهقت فداءاً للوطن وأبنائه!!
الاعتصامات التي مسحت بثوارها وسجلها التاريخ!!
هل ستمحى؟
كما يشاء الظالمون !!

نبحث عن وطن نرتدي ستر النجاة ونهرب بالموت. يرددون على مسامعنا "نازحون ، لاجئون ، وأجانب "

عدنا للبداية سلعة نباع ونشترى وأين الحق بالحياة بالقرار؟بالرأي ؟
كيف سقط نجم التعايش الثوري بين ليلة وضحاها !!
ومثلما تمنوا لفشلها بات الثأر الماضي يكتب لأيامنا ثارات ودوامة من القتل متسلسلة فعاد الغالبية بخذلانهم وانتفضوا على ميعاد الصبر والثورة.

ربما هزمتنا عبوديتنا وفشلنا في قراءة التاريخ فتحول المسار إلى أسلاك شائكة من المخاوف والرعب هل فشلنا ؟؟

هم المحرك الأكبر لنا عندما منعونا من الوعي بتاريخنا جهزونا لمواجهة هذه الأيام بلا انتماءات بفوضى مطالب وها نحن ندفع ثمن جهلنا..
دائما للنهايات الموجعة ذاكرة خبيثة لاتخونها الأيام بل تتبنى حضورها وتجدد الندم فيها مع كل شهقة.

انتهت رحلة الوطن
عبرنا خوفاً وقهراً
خلف ضباب الموت مهاجر غادر بنا ونقلنا إلى عالم آخر
نبحث عن وطن نرتدي ستر النجاة ونهرب بالموت.
يرددون على مسامعنا
"نازحون ، لاجئون ، وأجانب "
نحن هنا الأغراب كما كُنَّا في وطننا .

نفتقر للحياة أو ربما نفتقر للكرامة وفي أفئدتنا ضجيج مآسٍ لايهدأ
خرجت الحشود تطالب بحقوقها فاجتمع الظالمون وجاؤوا بأرتال حقد تتعالى قذائفها بأصوات الموت وأبناء الوطن تركوا على المقصلة درباً يعبُّر للسماء
و تجار الحروب لم يكتفوا من دمائنا
أصبح المستبدين يحملون خطابات السلام بكل مكر وانجرف الشعب إلى قواميس الندب يردد:
_ليتنا ماكُنَّا ولا كانت .

بحثاً عن مأوى رحل الجميع
أهلاً بك بالمنفى إذاً
ستحيا بلا اعتياد
ستركض بكل الاتجاهات تبحث في الساحات عن مكان يشبه ذاك الذي ركضت فيه مع عائلتك بخطواتك الأولى .. وتفشل .

ستحدق بأعين الغرباء باحثاً عن أمل أو بريق مألوف لأناس عبروا بطفولتك وشبابك ووطنك وتركوا ملامحهم أطلالاً ترثيها بعيون المنفى
تصغي لصفير الرياح وتستحضر رهبة القذائف التي ارتمت بالقرب منك وتركت ذكراها تخيفك
أنت لم تغادر جسدك في المنفى
تعمل لتحيا على مقاس غربتك
تشرب وتأكل بلاطعم وبلا حياة ورائحة الموت هاجسك
أنت دون كل شيء
أنت وراء كل شيء
بائس نادم ..

أنت مرميٌّ على عتبة تاريخك وكل الثروات التي جنيتها وكل الفقر الذي عانيته لاشيء
لاشيء أمام الخسارة الكبرى
تحتاج لولادةٍ من خاصرة الوطن أو أعقابه
من ظل الوطن
من شتاته
من حفنة رحمة من أي شيء به
وأنت لم تتجاوز أوجاعك بل تجاوزتك وأخذت بك لترميك بمجهول هذه النهاية .
ثورة! !

لم لايعود التاريخ بنا يحدثني وجعي
أستعيذ من المنفى أشرب كأس النسيان فتعتلي مساحات الوطن ورائحة الياسمين على خشبة المسرح ..

أُعيدُ شريط الحياة إلى الوراء
وأنا مع ركب الثوار أمضي بخطوات مختلفة أردد بإصرار :
_على العهد باقية..

هي الحرب الكبرى واللعبة الأشرس.
نتابع بلهفة ننتظر خبراً عاجلاً يلون سماء القهر يخبرنا
بأن حلم العودة تحقق !

مرت أعوام ستة ..
هجرنا منازلنا
دفعنا ثمن لتلك الحرية صبراً قهراً أرضاً حلماً وتاريخاً ..
وهي الآن في مزاد السياسيين تصارع للبقاء وربما تُفصّل على مقاس خذلان العرب!
وبلا مصير نصلي ندعو نرتجي نهاية للنهاية .

سنعود بعد قليل "يهمس ضميري" فيرد عقلي مستهزأً : _هذا القليل لاوزن له ولا مسافة

التفتُ لدمشق أغني بحرقة قلبي "راجعين "
أذكر صفوف الثوار مع بداية ربيعنا حاملين الورود يرتجف جسدي..
أسمع أزيز الرصاص يغتال لحظة العودة ..
هم بدأوا بقتل الأبرياء ..

أعود حاملة بوجه حنيني رايةً حمراء يطالبني بالاستسلام ،سأستسلم ولكن ليس لبيع الوطن سأستسلم لأوجاعي..
سأستسلم لمنفى يحمل بين ثناياه آلاف الغصات والشهقات
أنا المنفية هنا .. بلا وطن بجنازة وبلا كفن
أنا هنا المنفية تحاول لأجل الآخرين أن تكتب الأمل..

سنعود بعد قليل "يهمس ضميري"
فيرد عقلي مستهزأً :
_هذا القليل لاوزن له ولا مسافة ولا زمن بلا دقات وعقاربه تلدغ روحك..
أردد بحزم:
_سأنتظر
لتعود لي دمشق
فأنا لولا الثورة ما خُلِقَ لقلمي صوت لما تمردت كلماتي على الساسة
لما كبُرت
لما تعلمت
لما استنشقت لحظة الحياة ولو لدقائق معدودة
وأنا حرة أقف بوطني أردد :
_يسقط النظام.

لولا الثورة لكنتُ الآن أهمس بصوتٍ خائف مرتجف وعينين مترقبتين و كلماتٍ مبهمة فمسامعُ المستبدين سكنت جدراننا لأربعين عام ..
انتهت عبوديتنا إلى مزبلة التاريخ.

وهاهو تاريخ مشرق يتعرض لأزمة ولادة ستمرُّ ويكتب لجيلنا القادم نحن أبناء ثورة حاربها العالم فتنزَّهت ونجحت ..