صناعة الإنسان العربي

blogs - baby
هل خطر على بال أحد أن يتخيل أطفاله قبل ميلادهم، لا ليس بالشكل ومن سيشابه أباه أو أمه، ولكن أن يتخيلهم أحد القادة العظماء أو العلماء أو المعلمين أو لهم شأن في هذا العالم..؟

لكن هل نحن جاهزون لجعل هذا الخيال واقعا، أم ما زال الوقت مبكرا جداً فكل شيء كما يُقال قسمة ونصيب ويأتي في وقته كاسم الطفل يأتي مع ولادته؟

الأبوة والأمومة هي حلم كل إنسان وجد على هذه الأرض، هي الغريزة الطبيعية التي تربطنا بخيط تشابه مع باقي الأحياء الأخرى، ونحن بني البشر نتميز بطقوسنا الاحتفالية الخاصة بولادة فرع جديد ينتمي إلى شجرة العائلة التي تمتد فروعها من أصل واحد ومختلفة الثمار والطعم.

جل اهتمامنا ينصب على المظاهر الاحتفالية حين قدوم مولود جديد، ولكن هل فكر أحدنا يوماً كيف يُعد العُدة لولادة طفل قائد يقلب تاريخنا المُمل رأسا على عقب؟

وكل إنسان بشكل عام والعربي على وجه الخصوص ينتظر طفلاً ، يبدأ التخطيط ووضع إستراتجيات ممنهجة لحفل إستقبال هذا المولود منذ الأيام الأولى للحَمل ، و يملأ الدنيا من حوله فرحاً وصخباً، ويُشغل القاصي والداني في إختيار الأسماء والألوان والمَهد والملابس والهدايا لدرجة إن تطور هذه الطقوس مع الزمن غدا العامل المشترك بين المواليد في معظم دولنا العربية بل وحتى حمله المغتربون معهم إلى بلاد المهجر.

وما يلفتني في كل مناسبة تنبئ عن بِشارة قدوم مولود جديد هو إجتهاد الأمهات في إختيار الأشكال المناسبة لضيافة المباركة ، ومن خلال التحضيرات يمكنني التعرف على جنس المولود ذكر كان أم أنثى ، وأتنقل بعيني على الإكسسوارات كشخص يتأمل لوحات إبداعية في أحد معارض الفنون التشكيلية تتفق فيها على عنوان واحد للبهجة ، ويشدني مدى الفن والإبداع والجهد والبذخ في إبتكاراتها الفنية التنافسية ، وأتساءل عندها كم من الوقت سهرن هؤلاء الأمهات يقلبن فيها صفحات الشبكة العنكبوتية لإقتناص تصميم فريد وغير مكرر.

وهذا كله يؤكد لنا إن لدينا الطاقة والقوة والجَلد في الظهور بمظهر مُنافس على الدوام وعدم القبول بإن نكون أقل من الأخرين مهما كلفنا ذلك من وقت وجهد ومال ، ولكن هل فكر أحدنا يوماً كيف يُعد العُدة لولادة طفل قائد يقلب تاريخنا المُمل رأسا على عقب، أو كيف يجهز لطفل عالِم همه هو أن يضع بلاده في مقدمة الدول، أو التحضير لطفل مُعلم يقدم روحه وعقله فداءً لتعليم جيل جديد القيم الأخلاقية والمعرفية.

أتساءل .. هل غدا تحضير كل هذه الإكسسورات التي تستهلك الوقت والمال لمجرد العرض في بيت المولود الجديد أهم من آلية التحضير لصناعة إنسان جديد بمواصفات خاصة ؟ ، ولا بد أن كلنا درس وحفظ العبارة التاريخية في من مناهجنا المدرسية ( إن الإنسان خلق لإعمار الأرض ) ولكن لم يُفسر لنا أحد معنى الإعمار بالشكل الواقعي الصحيح حتى نطبقه على أكمل وجه ، ولكننا حفظناه من أجل حل سؤال الإمتحان بإن هذا واجب يقع على عاتق الإنسان ونسله من بعده ، ولكن لم يكن لدى أحدنا الوقت الكافي من زخم مواد الإمتحان المتراكمة للحفظ بإن يفكر بالشكل الذي سيكون به نسله القادم ..؟.

الزواج أول خط لإعمار الأرض يبدأ بوضع أساس الشراكة بين شخصين عاقلين بالغين لديهم كل الكفاءة والخبرة في صناعة الإنسان ، لذلك لن يأبه الطفل القادم إلى أبراج الحلوى المشيدة من حوله ولا إلى مواكب البالونات ، ولا إلى شراشف الحرير والشيفون التي تغطيه ، ولا كم الزغاريد التي ستدوي في الأفاق وتؤرق نومه في عالمه الجديد.

و هنا يكمن سر تطورنا المتراجع إلى الخلف ، ويثبت فشلنا الذريع في صناعة إنسان مؤهل قادر على قيادة سفينة التقدم ، وصبننا جُم إهتمامنا في إنتاج إنسان متطفل ، إتكالي ، مُستهلك ، ليست لديه أية ميول بإن يبذل بعض الجهد ليفكر بغيره ، كيف ولا و أول تباشير إستقباله في الحياة أن يكون مركز الكون وأفضل من غيره من المواليد.

ولكن مازال أمامنا بعض من الوقت لنغير في التركيبة الإنسانية التي تسكن عالمنا العربي وننتج أفرادا يحملون هم أمتهم وتقدمها ، وقد تسألني كيف ؟

إجابة هذا السؤال لن تجدها ضمن صفحات كتب التغيير ، ولا في صفحات جوجل أو قنوات التواصل الإجتماعي ، بل هي موجودة في دهاليز نفسك ولا تُرى بالعين المجردة بسبب صغرها لا بل من فرط ما تراكم عليها من غبار ، وإستخراجها يترتب عليه خسائر وأضرار ، فلا بد من ثورة داخلية حقيقية لا سلمية ، تتحطم فيها كل القيم والأساسات المهترئة التي تربينا عليها ، وتتعدل كل المنظومة الأخلاقية المتطفرة التي إعتمدت على توارث ما يلقيه الغير لنا، هي ذلك الربيع الجديد الذي سنعيد فيه برمجة أنفسنا من الداخل ، و هذه ستكون أول خطوة في نجاح إنسان عربي جديد.

لم ينتظر اليابانيون ليعلقوا أسباب فشلهم على الدمار الذي ألحقته بهم أمريكا التي أرادت مسحهم من على وجه الأرض، بل قاموا بتفجير هذا الغضب الكامن في أنفسهم إلى ثورة تغيير وصناعة الإنسان الياباني الجديد

ولا بد لنا أن نعترف ومع سبق الإصرار إن سبب فشل ربيعنا العربي هو نحن ، لإننا لم نكن مؤهلين لإحتضان وقيادة هذا الربيع ، و نفتقر إلى الكثير من المعايير والتربويات والعلم ، ولذلك لا يجدر بنا أن نعيد هذا الخطأ مرتين ، وعلينا إعداد أنفسنا أخلاقياً وتربوياً لإستقبال الربيع الحقيقي الذي سيضعنا في مقدمة الأمم .

وهذا ليس بمعجزة أو عمل خارق ، فدعونا ننظر إلى اليابان التي دُمرت بالقنبلة النووية إبان الحرب العالمية الثانية ، ولم يفكر أفرادها بعد هذه الفاجعة وهم أحفاد الساموراي من إهدار فكرهم وحياتهم من أجل الإنتقام من الفاعل ، ولم ينتظروا ليعلقوا أسباب فشلهم فيما بعد على الدمار الذي ألحقته بهم أمريكا التي أرادت مسحهم من على وجه الخريطة الأرضية ، بل قاموا بتفجير هذا الغضب الكامن في أنفسهم إلى ثورة تغيير وصناعة الإنسان الياباني الجديد ، الذي سيشار له بالبنان وترفع له قبعات الإحترام بعد عدة عقود.

وأول ما بدأ به اليابانيون هو المُعلم الذي يعتبر في نظرهم أهم إنسان وبيده مفاتيح نجاحهم وتقدمهم ، وذلك من خلال مسؤوليته في زراعة القيم الأخلاقية وروح الجماعة بالفرد، وهذا المعلم لم يكن حصيلة لا شيء ولم يأتي من الفضاء ، بل هو صناعة أب وأم سهرا الليالي وتعبا سويا في تكوينه وتركيب المفاهيم والقيم داخله قطعة قطعة وإطلاقه إلى الحياة ليكون مُعمراً ويرفع علم بلده عالياً في كل المحافل.

يا تُرى كم إحتاجت اليابان لإعادة بناءها ووصولها إلى ما هي عليه الآن ، خمسين عاما ً أو أكثر.. ؟ الجواب يجب أن يكون بداية الأمل بإنه مازال لدينا الوقت الكافي لإعادة برمجة عقولنا ونفوسنا والتحضير لصناعة إنسان عربي جديد تتوافر فيه كل المقومات اللازمة لنكون من أوائل الأمم.