شعار قسم مدونات

وما الحرب إلا ما لم تعلموا ولم تذوقوا

blogs - harb
 
لم أكن أعرف لماذا سأذهب إلى حلب، إلا أنني كنت ذاهباً، حاملاً حقيبةً واحدة على كتفي. كانت الفكرة تطوف ببالي منذ شهور، وحين أخبرني بعض الأصدقاء بعزمهم على تصوير فلم وثائقيّ في الشمال السوري، قلتُ لهم: سآتي غداً.

لم أكن متحمّساً يوماً للأفلام الوثائقيّة، كما لم أكن متحمّساً لتغطية الأحداث عن كثب، فأنا لا أملك روح الصحفيّ؛ لكنها كانت حجّة مقنعة (لأمّي على الأقل). كنتُ أريد أن أرى الأمر عن قرب، وفي نشوة اللحظة الثوريّة الاستثنائيّة، كنت أريد أكثر من ذلك، كنت أريد أن أكون، ومن منا لم يرد أن يكون هناك، حتى لو كان واحداً من الضحايا، كان في الأمر عزاءٌ يغطّي الروح المرهقة من مشاهد الموتى ويمنح للعجز يداً أو فماً جديراً بالكلام .

الحروب تكتسي في خيالنا طابع البطولة والملحميّة، فليس ثمة ما هو أكثر جرأة من مواجهة الموت

كانت التفاصيل هي كلّ شيء؛ اعتياد الناس على البيوت المهدومة، أصوات الطائرات والبراميل، حفظ أماكن القناصة وتجنّبها اليوميّ، القصص التي لا تنتهي عن المآسي والبطولات، العائدون من الجبهة، الذاهبون إلى الجبهة، ثقب في شباكنا، فتحة في جدار الجيران، عمارة ناقصة في الشارع، نهر قويق وشابّ يصيح "أجت جثّة"، ليجتمع أهالي المفقودين في فروع المخابرات باحثين في ملامح الجثّة عن ابن أو أخ (هل كانوا يأملون مع كلّ جثة ألا يكون هو؟ أم كان موته ليكون راحة لانتظارهم المبهم وراحةً له من عذابه المختوم على جثّته؟).

رائحة الزبالة عند دوار الصاخور، الأسلحة التي تجوب الشوارع، والحواجز العشوائيّة في الليل، الأطفال الذين يحملون الأسلحة وكأنها ألعاب، الأبطال، الشهداء، هتاف المظاهرات، الخوف، الشجاعة، رائحة الموت، كانت التفاصيل هي كلّ شيء . وكالأحمق كنت أدون ملاحظات سخيفة عما أراه في دفتر أخضر كلّ ليلة؛ كنت أريد أن أكون، ولكنني كنت أرى وأراقب، بل ونادراً ما كنت أتحدّث إلا في السهرات التي تضيء فيها الأغاني والمواويل والأشعار وقصص العشاق والأبطال القديمة.

تكتسي الحروب في خيالنا طابع البطولة والملحميّة، فليس ثمة ما هو أكثر جرأة من مواجهة الموت، والتضحية في سبيل فكرة أنبل ومبدأ أسمى من حياتنا الفرديّة. تكتسي الحرب هذا الثوب لمن يراها من بعيد، ولكنها تتعرّى ببطء كلما أمعنتَ النظر في تفاصيلها كاشفةً عن جوهرها المرعب: تفاهة الحياة؛ حياتنا وحياة أعدائنا على السواء.

كنت أسأل من أعرفهم من المقاتلين سؤالاً مكرراً: هل سبق أن نفذت إعداماً ميدانياً؟ غالباً ما تصبح ملامحهم أكثر جديّة قبل الإجابة بنعم. ولا أعرف إن كنتُ مُصيباً أم مُخطئاً في هذه الملاحظة، ولكنّ معظم من أجابوا بنعم، كانوا أكثر من عرفت هناك ضحكاً ونكتةً، ونادراً ما كنتُ أستطيع النقاش معهم في أيّ أمر جاد. هل كان هذا الإدراك المعمّق لتفاهة الحياة هو ما يجعل من الضحك والنكتة وسيلتهم الوحيدة لمقاومة هذه الهشاشة وتجاوز تلك الكآبة الجادّة؟

حين عدّت من حلب، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات اكتشفت بأنني لم أبتهج بالحرب، لا بالبطولات ولا بالانتصارات ، لم أستطع أن أتشفَّى بالعيون المكسورة للأعداء، ولو كانت كاسرة البارحة، ولو كانت تشرب من دمي أو دم إخوتي.

ومع كلّ ما أعرفه من ضرورة الحرب العادلة، التي لو لم تُخض، لكلّفت أكثر وأكثر من القمع والدماء والبؤس والأمنيات المُسالة والقهر المكبوت، وبكلّ ما أعرفه وأحفظه من حكمة التاريخ الدامية، التي لم تكتب إلا بالحروب، بل وبكلّ الغضب الذي يهيج في دمائي لمرآى من يُقتلون ليحافظ الطاغوت على تسريحة شعره وابتسامة زوجته، كنت وما زلت أسأل: يا إلهي كيف يمكن أن تكون أيّ حرب عادلة! ؟

هكذا أكره سطوع الأدرينالين في الدم وغباش الوجوه التي تسقط على مرمى الرشاشات. ولا أستطيع أن أتخيّل حرباً عادلة إلا بمشهد رجل يطلق النار ويبكي معاً.. ثم يقضي الليالي محتضناً الجثث التي حصدها!

غالباً ما يبدو هذا الكلام ساذجاً وحالماً ورومانسياً مفرطاً، وهذا صحيح حتماً فأنا شاعرٌ في نهاية المطاف، لا أستطيع الهرب من الوجوه والتفاصيل، ولا أستطيع أن أقول "هذا عدوّي" دون أن أعرف اسمه، ولا أستطيع أن أقتله، إن اضطررت، دون أن أشفق على حياته البائسة التي قادته ليكون وقوداً لحرب غيره، بشعارات يرددها، بجهل أو علم، ولا أستطيع ألا أفكّر : ماذا لو وُلدتُ أنا ابناً لأمّه وأبيه، أين كنتُ لأكون اليوم؟

يجلس الجندي/الجنديّة أمام شاشة خضراء ويقصف الأهداف المتحرّكة، وكأنّ الأمر يصبح أكثر رحمةً هكذا، لقد ولّد ذلك قتلاً عموميّاً وقتلة بيروقراطيين

لا شيء ينزع المسؤولية عن القاتل، ولا شيء مما أقوله هنا يدعو لتجاهل العدالة باسم الانسانيّة الرحيمة، أرجوكم، لا حاجة هنا للمزاودة، ولا تخبروني عن الضحايا والغضب والانتقام، أعرف ذلك كلّه جيّداً، بقيت صورة "ريان"، الشهيدة الطفلة، معلّقة على الجدار أمامي لسنة كاملة، وبقيتُ أعذّب نفسي بالنظر إلى مشاهد التعذيب والجرحى فقط لأعزي نفسي بأنني أتحمّل، هكذا، جزءاً من عذابهم.

ونعم كنتُ أتمنى أن تتقصّف أطرافي في حلب، وأعود مشلولاً فقط لأتمكن من قول هذا الكلام دون شعور محرق بالألم بأنني لا أملك الجدارة ولا الحقّ بقوله !

لقد خلقت الدول الحديثة جيوشاً نظاميّة، وحروباً تخوضها الطائرات وقذائف مضبوطة بأشعّة الليزر، يجلس الجندي/الجنديّة أمام شاشة خضراء ويقصف الأهداف المتحرّكة، وكأنّ الأمر يصبح أكثر رحمةً هكذا، لقد ولّد ذلك قتلاً عموميّاً وقتلة بيروقراطيين، لكم أن تتخيّلوا أنّ إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما كان سيحتاج جملة من التوقيعات والموافقات، ثمّ ينتهي الأمر بكبسة زرّ.

لا وجوه للموتى في الحرب الحديثة، وحتى في حروب المواجهة المباشرة لا وجوه، دائماً لا وجوه، وإن وجدت فهي محض أهداف جيّدة. لا وجوه في الحرب، فالوجه هو علامة الذات الإنسانيّة، وحده ما يُظهر الفرادة؛ لكلّ وجه قصة، ولكلّ عينين حكاية.

لقد أجريت العديد من الدراسات الجيّدة عن الحروب النظاميّة، وتحدّث كرس هدجز عن الحياة النفسيّة للمقاتلين في كتابه "الحرب"، ويمكن تلخيص ما أورده هدجز بعبارة ممدوح عدوان "حيونة الإنسان"، أو بالأدقّ تشيؤه؛ أي تحويله إلى شيء، خالٍ من الأدميّة، محض عدوّ، وحش، قاتل، مجرم، إلخ ..

إنّ إسباغ هذه الصفات على العدوّ ضروريّة ليتمكّن المقاتل من الضغط على الزناد في اللحظة المناسبة دون أن ترتجف سبابته، ولكنّ إنجاز ذلك يتطلّب تحويل المقاتل أيضاً إلى شيء، إلى آلة منضبطة منزوعة العواطف والقناعات والفرديّة، وذلك عبر سلسلة طويلة ومرهقة من الالتزام بالأنظمة العسكريّة الصارمة واتباع الأوامر دون استفسار أو امتعاض.

ورغم ذلك فقد خلصت دراسة أجراها أحد جنرالات الجيش الأمريكي، مع فريق من المؤرّخين، تضمّنت مقابلات مع جنود المشاة، من أربعمائة سريّة، شاركت في المواجهات المباشرة في أوروبا والباسفيك في أثناء الحرب العالمية الثانية، إلى أنّ ما نسبته 15-20% فقط من الجنود قاموا بإطلاق النار بشكل مباشر على العدو في أثناء الاشتباك، بينما حاول البقيّة أن يتجنّبوا ذلك إما بإطلاق النار بعيداً عن جسد العدو، أو التظاهر بتعبئة الذخيرة. قد يكون الخوف عاملاً مؤثّراً في هذه الدراسة ولكنّ الدراسة تُشير حتماً إلى وجود حُرمة، شبه غريزية/ فطريّة، لقتل الإنسان للإنسان.

لا شكّ أنّ المسألة تختلف كثيراً حين تنبع الحروب من دافع العقيدة، لا أقصد العقيدة الدينية وحسب، بل من قناعة المقاتل الشخصيّة بعدالة حربه. ففي الحروب النظاميّة يغدو القتل بيروقراطيّاً، منظّماً، لا يملك الجنديّ فيه سوى إطاعة الأوامر، وفي كثير من الروايات التي تروي لقاء الجنود الأعداء ببعضهم بعد نهاية المعركة، تحدّث بعض الجنود عن دهشتهم بأنّ أعداءهم لا يختلفون عنهم كثيراً.

بين الإيمان بضرورة الحرب لنصرة قضيّة عادلة وبين إدراكنا لآدميّة أعدائنا؛ وبالتالي ألا نسقط في فخّ التشفّي المبتهج بالقتلى، ولا في فخّ التبرير الأعمى لأخطائنا
إلى أيّ شيء يمكن أن تخلص هذه الكتابة؟ وما الذي أريد قوله حقّاً؟ لا أعرف حقّاً.. ولكنني أعرف أنّ القضيّة العادلة إن لم تمتلك رصيداً أخلاقيّاً إنسانيّاً يتفوّق على العدوّ الذي تحاربه، فإنها قد تتحوّل إلى وجه آخر لما تُحاربه، وأحياناً، كما يكشف التاريخ، قد يتحوّل مظلوم اليوم إلى ظالم الغدّ، إن لم يحترس لما ينمو في قلبه من عرائش الكراهية العموميّة والاستهتار بحياة الإنسان.
 
صدقوني إنّ قضايانا العادلة لا تحتاج إلى مبررات عنصريّة أو عقائديّة تعميميّة، لا نحتاج إلى أن نكفّر عموم الشيعة لنقاتل نظام الأسد الطاغية، كما إنّ التمييز بين الصهوينيّة، كحركة استعمارية استيطانيّة، وبين اليهوديّة كدين، لن يُوهن من عزم القضيّة. هذه القضايا عادلة بكلّ ميزان دينيّ وأخلاقيّ، ولا تحتاج إلى مبررات شوفينيّة لتقتنع شعوبنا بها.

وبالمثل فإنّ بقاء التوتّر الصعب، والذي أعرف أنه صعب، بين الإيمان بضرورة الحرب لنصرة قضيّة عادلة وبين إدراكنا لآدميّة أعدائنا؛ وبالتالي ألا نسقط في فخّ التشفّي المبتهج بالقتلى، ولا في فخّ التبرير الأعمى لأخطائنا، هو ضرورة أخلاقيّة لتبقى قضايانا جديرة بالحرب لأجلها.

هذه التدوينة ليست في الدعوة إلى السلام العالمي، ولا إلى إيقاف الحرب، فزمن هذه الدعوات لم يحن بعد مع الأسف، ففي غياب أي منظومة للعدالة الدولية والجنائية، غالباً ما تصبّ هذه الدعوات في خندق الدفاع عن المنظومة القائمة، والتي قد يكون بقاؤها على هذا الحال أكثر شرّاً من كلّ شرور الحروب.

فليس علينا أن نسقط الفخّ الليبراليّ الذي يُفضّل الموت البطيء للشعوب والبشر ويمتعض حين لا يكون ثمة حلّ سوى الموت السريع الذي تسببه الحرب، فقد يكون بتر العضو ضرورة لا مهرب منها لحياة البشر (ولكم في القصاص حياة)، كلّ ما في الأمر، أنني لا أفهم لماذا ينبغي أن نكون سعداء ونحن نحزّ هذا العضو!؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.