شعار قسم مدونات

من إيلان الكردي إلى عمران الحلبي.. متوالية من الأزمات

blogs - omran
من منا لم ير منظر الطفل السوري عمران دقنيش الذي أخرجه المسعفون من بين أنقاض مبنى هدمته طائرات النظام السوري في حي القاطرجي بحلب.. من منا من لم تدهشه وتدميه نظرات الطفل ابن الخمسة أعوام الذي وضع على كرسي سيارة الإسعاف دون أن يبكي أو يعلو صوته بالصراخ..

من منا لم يتأثر لنظراته البريئة التي استحالت لعنة على جلاديه وإدانة للساكتين أو المتآمرين على الشعب السوري..

لم يبك عمران ولم ينتحب ولكن سجيته البريئة وجهت رسائل للعرب والعالم تقول: أين ضمائركم وأين حميتكم؟!

عمران .. ذلك الطفل الذي هز ضمير العالم -إن كان لا يزال فيه ضمير يتحرك- نظر مذهولا للكاميرا دون أن ينطق بكلمة، مكتفيا بمسح الدماء عن جبينه بيده الصغيرة ثم يعاينها بهدوء ويمسحها بالمقعد من دون أن يبدي أي ردة فعل!

لم ينجح المصور زاهر سهلول الذي عمل في حلب وكان شاهدا على الآثار المروعة للهجمات الجوية في وصف سلوك عمران، ولكنه يقول إنه يحتفظ برسومات لطفل في السابعة عانى من صدمة الطائرات التي تقصف المدينة، فقام برسم الأطفال الموتى مبتسمين بينما رسم الأطفال الأحياء باكين!!

لم يبك عمران ولم ينتحب ولكن سجيته البريئة وجهت رسائل للعرب والعالم، تقول: أين ضمائركم وأين حميتكم؟! وكأنه يقول إنه لم يفهم سبب هذا السكوت، وفي بعض الأحيان التواطؤ مع مجازر النظام المدعومة بإيران وروسيا وحزب الله. بل كأنه يوجه إدانة لمن خذلوه وسكتوا عن مجازر النظام.

الطفل عمران بصمته أدان الصمت فينا وبسكوته أدان العجز فينا وبنظراته التي تخترق القلوب هزأ منا ومن أفعالنا، وسخر من جلاديه العتاة ليقول لهم إن هذا الشعب حي لن يموت، وصامد لا تلين له قناة مهما كثرت مجازر مجرميه والمتآمرين معهم.

ربما لحسن حظ عمران أنه أصيب بجروح خفيفة وخرج إخوته وأخواته ووالدهم سالمين من القصف الهمجي، ولكنه فتح أعين العالم واسعا أمام الآلاف من القتلى وكثير منهم من الأطفال والنساء الذين سقطوا بقنابل وتفجيرات النظام.

عمران شكل فصلا جديدا من فصول مأساة يعيشها الشعب السوري منذ خمس سنوات، واختزل مأساة شعب كامل بين القتل والتشريد والاعتقال، ووجه لنا جديدة رسالة جديدة ممهورة بالدماء المختلطة بركام القصف وبارود المتفجرات ومنها الكيماوي، أن استفيقوا من منامكم وتحركوا لنصرة هذا الشعب المظلوم الذي يعاني من أقلية حاقدة متعطشة للدماء في سبيل الحفاظ على مكاسبها ومعاقبة الشعب الذي طالبها ولا يزال بالرحيل.

صورة الطفل عمران اختزلت مأساة شعب كامل بين القهر والظلم وفقدان النصير وتكالب الأعداء والمصير المجهول الذي ينتظره، وآلام المعاناة في مختلف المدن والبلدات والقرى وفي منافي الداخل والخارج.

عمران.. هذا الطفل البريء رسم صورة سريالية لوضع شعب قرر يوما أن يطالب بحريته، ووجه رسائل قوية ومعبرة لنا وللعالم.. فهل من مجيب؟!

يعيد لنا عمران بطريقته الخاصة وهو حي ما عجزت عنه آلاف إشارات القتل والدمار، وينعش ذاكرتنا المخرومة بصورة جمال الأشقر (13 عاما) الذي ظهر ممددا قرب شجرة توت بعد أن قتلته طائرات النظام أثناء محاولته قطف ثمار الشجرة في أحد شوارع حي الصالحية بحلب قبل نحو أربعة أشهر من الآن.

كما أنه أعاد للأذهان الصورة الأشهر للاجئ أيلان الكردي (ثلاثة أعوام) الذي غرق في مياه البحر المتوسط برفقة عائلته التي كانت تحاول الهروب من جحيم النظام السوري إلى مواطن اللجوء الأوروبي، ثم لتجرفه مياه المتوسط لأحد الشواطئ التركية في سبتمبر/أيلول الماضي.

وتتحول صورته وهو ملقى على وجهه رمزا لمعاناة اللاجئين السوريين الهاربين في زوارق الموت باتجاه أوروبا.

باختصار رسم ذلك الطفل البريئ صورة سريالية لوضع شعب قرر يوما أن يطالب بحريته، ووجه رسائل قوية ومعبرة لنا وللعالم .. فهل من مجيب؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.