منطق الطير في العودة إلى الذات

blog - bird

بعد أن أفسد فيها وأوغل في سفك الدماء كما توقعت له الملائكة ذلك، وبعد أن سقط القناع عن وجه ما يسمى بالإنسان وظهر على حقيقته كما وصفه الله في كتابه العزيز بأنه يؤوس كفور "وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كفور"، وبأنه خصيم مبين "خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ"، وبأنه أكثر شيء جدلا "وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا"، وبأنه يطغى "كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ ليطغى"، بل وأكثر من هذا فهو كفور مبين "إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ"، وعليه فإنه خاسر لا محالة "إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ"، ولهذا فهو يستحق القتل بما افترقت يداه "قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ".
 

لكل هذه الأسباب فإنني وبكامل قواي العقلية قررت أن أقفز من سفينتكم الغارقة تلك وأنجو بريشي وأعلن براءتي من إنسانيتي وعودتي إلى ذاتي مع أبناء جنسي من معشر الطير أحلّق وأغرد مع أسرابها. فما نحن إلا أمم أمثالكم "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم". وإننا نسبح للواحد الأحد ربما أكثر منكم ونصلي له ولكنكم لا تفقهون تسبيحنا "ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافّات كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون".
 

كان منا أول مراسل صحفي في التاريخ هو أخونا الهدهد الذي نقل الخبر بكل أمانة وبأفضل ما يكون النقل الصحفي بجمل قصيرة وواضحة

أقول قولي هذا وكلي فخر بأنه جاءنا من العلم ما لم يأتكم وبأن جدودنا علموكم ما لم تكونوا تعلمون منذ فجر التاريخ. أفلا تذكرون أخانا أبو سمرة (الغراب) كيف علمكم أن تواروا سوءة أخيكم بعدما سولت لكم أنفسكم قتله كعادتكم دائماً." فطوَّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين . فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ".
 

ثم رافقنا كل أنبياء الله وعباده الصالحين منذ بدء الخليقة، ألم نكن مع نبي الله داوود ؟وكذلك أيضاً :" إنا سخّرنا الجبال معه يسبّحن بالعشي والإشراق . والطير محشورةً كلٌّ له أوّاب".
 

وكنا كذلك مع ابنه ووريثه نبي الله سليمان الذي أتاه الله فضلاً مبيناً بأن علمه منطقنا ثم انضوينا تحت لوائه جنوداً أوفياء لا نخون ولا نولي الدبر:" وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علِّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إنَّ هذا لهو الفضل المبين . وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ".
 

وكان منا أول مراسل صحفي في التاريخ هو أخونا الهدهد الذي نقل الخبر بكل أمانة وبأفضل ما يكون النقل الصحفي بجمل قصيرة وواضحة وأجاب بكل طلاقة على الأسئلة الصحفية الخمسة (مَن ،ماذا أين، متى وكيف):" إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ.
 

وسخّرنا الله كذلك لنكون الآية التي يطمئن بها قلب أبو الأنبياء ابراهيم عليه السلام: " وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم".
 

وكنا أيضاً الآية التي سخرها الله لنبينا عيسى عليه السلام كي يفتح بها بصيرة من عميت أبصارهم "أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله"
 

بات صاحبنا البلبل مصدر إلهام لإعلامكم الجديد تغردون على تويتر بما تشاؤون دون رقيب، بعد أن اتخذت حكوماتكم وجيوشكم من نسورنا وصقورنا رمزاً لعزتكم وكرامتكم

ولم نغب كذلك عن سيدنا يوسف عليه السلام في تفسيره للرؤيا والتي كانت السبب في إخراجه من السجن:" ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبّئناً بتأويله إنا نراك من المحسنين ".
 

وكنا خير حُماة لبيت الله الحرام وأشجع رماة على الغزاة المشركين "وأرسل عليهم طيراً أبابيل . ترميهم بحجارة من سجّيل . فجعلهم كعصف مأكول".
 

ولا تنسوا أختنا البيضاء (الحمامة ) عندما حملت غصن زيتون وبارقة أمل لترشد نوحاً بقرب الوصول إلى بر الأمان. ثم تعشش وتبيض على غار ثور وتجعل من بيضها الهش حجاباً حائلاً وحصناً منيعاً لخير بني البشر، و تحمل بعد ذلك رسائلكم إلى أحبتكم وتعلمكم مهنة البريد. بعدما علمت أخاكم عباس بن فرناس فن الطيران وناحت قرب أبي فراس الحمداني لتلهمه أن يصدح بأجمل رومياته.
 

وأخيراً ليكون صاحبنا البلبل مصدر إلهام لإعلامكم الجديد تغردون على تويتر بما تشاؤون دون رقيب، بعد أن اتخذت حكوماتكم وجيوشكم من نسورنا وصقورنا رمزاً لعزتكم وكرامتكم.
 

لن أطيل كثيراً في تعداد فضائلنا وما أكثرها ولن أنس التوقف لأذكركم بأخينا الديك الذي يوقظكم من سباتكم كل صباح وكذلك بالحساسين والبلابل والشحارير التي علمتكم فن الموسيقى غذاء لأرواحكم علكم تنسون قليلاً بيض دجاجنا المسكين غذاء لبطونكم.
 

وأخيراً أذكركم بالحديث الشريف " يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير " وذلك ليس لصغر حجمها ولكن لرقتها وخلوها من البغضاء والأحقاد التي تملؤ أفئدتكم.
 

وختاماً أوجه ندائي الأخير ناصحاً أبناء العائلات الفلسطينية والعربية الموقرة مثل عائلة حبش وشاهين والدوري وسنونو وأبو الريش والديك وحتى الدويك وغيرهم بأن تعود إلى أصولها وأن يهديها الله لأقرب من هذا رشدا. فإن :"كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً".
 

داعياً الله بأن يهديكم ويخلص الدنيا من سيئات أعمالكم ويرزقكم فؤاد طير ويحشرنا معأ في جنات النعيم.