شعار قسم مدونات

منسيون

blogs - iraq222

ناداني أحد الزملاء في غرفة الأخبار في قناة الجزيرة قبل يومين قائلا "إن شخصا يتصل من هاتف رقم عراقي وبلهجة لا أميزها كثيرا".. بادرت من فوري وتكلمت مع هذا المتصل الذي عرف نفسه "أبو جاسم".
 

تحدث وأسهب كثيرا عن وضعه السيئ والمعتقلين معه في سجن تديره قوات الأسايش الكردية شمال العراق، وطلب أن تساعده الجزيرة في عرض محنته، إذ إنه مسجون منذ 15 عاما قبل احتلال العراق وما زال، ويمارس بحقه الإخفاء القسري، ولا يعرف أهله مصيره على حد قوله..

فأخبرته أن مصداقية القناة في التعامل مع مثل هذه الحالات حرجة ولا تستطيع التورط مع مسائل لا تثبت عن طريق مصادرها واعتذرت منه.
 

والحقيقة أن القناة تواجه مثل هذه المعضلات الإنسانية منذ فترات طويلة ولا تلجأ لعرضها ما لم تتحقق من مصادر شتى.
 

معتقل سوسة تحول إلى الإشراف الكردي عقب رحيل معظم القوات الأمريكية عن العراق نهاية عام 2011، لكنه ورغم كل السوء أرحم بكثر من سجون الحكومة العراقية

بصرف النظر عن حالة هذا السجين، فإن سجن سوسة الواقع بين محافظتي السليمانية وكركوك بالغ السوء، وقد كانت لي فيه تجربة تحت إدارة السجان الأمريكي ومساعدة من الأمن الكردي نحو سبعة أشهر بين نهاية عام 2005 ومطلع عام 2006 .
 

بعد اعتقالي من مدينة الفلوجة نهاية عام 2004 على خلفية معركة الفلوجة الثانية بين القوات الأمريكية والعراقية من جهة وفصائل المقاومة حينذاك، وتنقلت خلال رحلة الاعتقال والتجربة الغنية من حياتي 19 شهرا بين سجون أبي غريب غربي بغداد مرورا بسجن بوكا في البصرة وصولا إلى معتقل سوسة الذي كان نهاية رحلة الاعتقال.. ورغم أن الاعتقال كبقية تجارب الحياة فيها السيء والحسن إلا أنني أعد نفسي ممن رأى الحلو فيها أكثر من المر.
 

وقد تحول معتقل سوسة إلى الإشراف الكردي عقب رحيل معظم القوات الأمريكية عن العراق نهاية عام 2011، لكنه ورغم كل السوء أرحم بكثر من سجون الحكومة العراقية في بغداد ومناطق أخرى لا تعد ولا تحصى وسط شهادات عديدة عن التعذيب وانتزاع الاعترافات ومنع محاكمتهم.. فوزارات العدل والدفاع والداخلية تضم عشرات المعتقلات والسجون، وتحوي في غياهبها عشرات الآلاف من المعتقلين وأغلبهم بطبيعة الحال من سنة العراق.
 

ويكفي أن تكتب في متصفح غوغل عن المعتقلين في العراق أو سجن الجادرية أو سجن التاجي أو سجن الحوت، كي تعرف المأساة المخفية.. على أن الواقع الأمني في العراق أفرز عشرات المليشيات التي لا ضابط لها ولا قانون، بل ولا تستطيع القوات الأمنية الحكومية الدخول إلى مواقع تلك المليشيات فضلا عن تفتيشها.. وهذه بدورها تمارس التفتيش وقطع الطرق لا على الطرق الخارجية بل في وسط بغداد، وربما تهاجم بعض السجون الحكومية وتنفذ إعدامات ميدانية كما نقل الإعلام في مناطق بعقوبة وطوز خورماتو وآمرلي والتاجي خلال العام المنصرم.. وينقل شهود عيان يوميا نماذج من تلك المداهمات أو الاستعراضات الطائفية لهذه الميليشيات بأشكال شتى.
 

التذكير بواقع المعتقلين اليوم في العراق يثير شجونا شتى مع أرقام ربما تكون الأعلى في العالم والتي تصل ربما إلى أكثر من 100 ألف معتقل، الأدهى والأمر أن الحكومة لا تعترف بهذا العدد من المعتقلين، وهذا يرجع، بحسب المتابعين وذوي المعتقلين، لمزيد من الابتزاز لهم، إذ يضطر أهالي المعتقلين للتنقل بين أقسام الشرطة والسجون والقضاء لدفع مبالغ تصل لعشرات الآلاف من الدولارات، بغية رفع قضية ابنهم للمحاكم، أو الحصول على حكم مخفف، أو على الأقل إدخال طعام ومستلزمات شخصية لهم.
 

لا حل منظورا أمام علو روح الانتقام وفشل الساسة في العراق -وحكومة حيدر العبادي على رأسهم- في تغليب سيادة الأمن واحترام حقوق الإنسان

إنها إحدى ظلمات الواقع في العراق عقب عام 2003 حيث لم تفلح تدخلات المنظمات الدولية والأممية في إنهاء هذا النزيف الإنساني أو تخفيفه حتى.. وزادت الكارثة دموية في العامين الأخيرين مع الجهد العسكري العراقي في مواجهة تنظيم الدولة الذي ارتكب هو الآخر جرائم بحق الآخرين، وجاء رد القوات الأمنية العراقية والمليشيات المساندة لها ليتسببا بحملات انتقام طائفية ووحشية في مناطق متعددة أبرزها في جرف الصخر والمقدادية وتكريت والفلوجة.. وخطف مئات من سكان تلك المناطق، وما يزال مصيرهم مجهولا كما حدث في بلدتي الدور قرب تكريت والصقلاوية قرب الفلوجة، ويتكرر بعض فصول هذه الوحشية حتى كتابة هذه السطور.
 

لا حل منظورا أمام علو روح الانتقام وفشل الساسة في العراق -وحكومة حيدر العبادي على رأسهم- في تغليب سيادة الأمن واحترام حقوق الإنسان.. ولا سبيل لوقف الجرح النازف ما لم تضغط المنظمات الدولية والدول المؤثرة في العراق لإنهاء معانة الآلاف والبت في قضاياهم وإنهاء المعاناة.
 

ويأتي الكلام عن قانون العفو العام عن المعتقلين الذي يناقش هذه الأيام في البرلمان العراقي كآخر وسيلة يمكن فيها أن يعمل على تخفيف الاحتقان الطائفي للآلاف من العائلات العراقية رغم اعتراضات بعض الأحزاب الشيعية.
 

فمن ذا الذي يغادر مواقع التخندق الطائفي؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.