شعار قسم مدونات

مسلمو أميركا.. نشاط دعوي وقصور سياسي

blogs - muslims
مر أسبوع على الجريمة التي راحَ ضحيتها الإمام الأميركي مولانا أكونجي (55 عاماً) المهاجر البنغلاديشي، ومعاونه ثراء الدين (64 عاماً) في وسط الشارع قربَ مسجدٍ في كوينز بمدينةِ نيويورك الأميركية.

ولم تعلن شرطةُ المدينةِ عن دوافعِ الحادثة التي لم تصنف حتى اليوم على أنها جريمة كراهية من قبلِ وسائلِ الإعلامِ، رغمَ أنها استهدفت بشكل خاص وفي وضحِ النهارِ إمامَ مسجدٍ ومرافقهُ اللذينِ كانا يرتديان ثياباً إسلامية تقليدية.

المسلمونَ الأميركيون بحاجةٍ لحراكٍ سياسي واجتماعي منظم يعيدُ إلى الجاليةِ التي يبلغ تعدادها ثلاثة ملايين ونصف المليون هيبتها

لم تكتف بعض وسائلِ الإعلامِ بعدمِ اعتبارِالجريمةِ جريمةَ كراهية فحسب بل إن بعض الجهاتِ الإعلامية اليمينية ما أن سمعت أن أماماً قتلَ في الحادثةِ حتى بدأت بالترويج بأن الإمام هو من كانَ قد بدأ بالاعتداءِ وأن مقتلهُ كانَ دفاعاً عن النفس، الأمر الذي تبينَ فيما بعد أنهُ عار تماماً عن الصحةِ وأن القاتل جاءَ من بعيد واستهدف الإمام ومساعده.

لم تدلي الشرطة حتى الآنَ أي معلومات عن الموقوفِ المتهمِ بعمليةِ القتلِ سوى أنه يدعى "هوبرت ريس" (35 عاماً) وهو من بروكلين. استنفرت الجاليةُ المسلمةُ في بروكلين لمقتل الإمامِ البنغلاديشي الأصل وجالت في الشوارع محتجةً مطالبةً بمحاسبةِ قاتلِ الأمامِ ومرافقهُ إلا أن الحدثَ لم يجذب اهتمام منظماتِ المجتمعِ المدني الأميركية، ولم تلقى حادثةَ القتلِ هذهِ الزخمَ الذي تلقاهُ هجماتٍ إرهابيةٍ أخرى تحصلُ ضد المسلمينَ في أميركا أو غيرها كحادثةِ نحرِ القسيس الكاثوليكي على يدِ متطرفٍ ينتمي لداعش في باريس.

في إنكارٍ واضحٍ من المجتمعِ والإعلامِ الأميركي لوجود حالةِ ردةِ فعلٍ عنيفة على إجرامِ داعش غالباً ما يكونُ ضحاياها مسلمونَ أبرياء يعتبرونَ داعش مجرمةً مثلهم مثلُ أي مواطنٍ أمريكي آخر.

عامٌ من الحشدِ والتحريضِ ضدَ المسلمين من قبلِ حملةِ المليونيرِ الأميركي دونالد ترامب كانت كفيلةً بحصولِ هذه الجريمةِ التي يرجعها المسلمونَ إلى تصريحاتِ ترامب العنصريةِ والتحريضيةِ ضدَ المسلمين. تثبتُ الأحداثُ المتلاحقةُ من حادثةِ اعتقالِ رجلِ أعمالٍ إماراتي بأحدِ فنادقِ أوهايو بسببِ زيهِ العربي إلى حوادثَ كثيرةٍ تتكررُ مع مسلمينَ في مطاراتِ أميركا ومرافقها العامة أن مسلمي أميركا بحاجةٍ لتنظيمِ صفوفهم. فلا تزال أميركا وعلى الرغمِ من كلِ هذا دولةَ قانون تساوي بين مواطنيها أجمعين ومن الممكنِ أن ينتزعَ فيها المواطنُ حقهُ رغماً عن العنصريين.

المسلمونَ الأميركيون بحاجةٍ لحراكٍ سياسي واجتماعي منظم يعيدُ إلى الجاليةِ التي يبلغ تعدادها ثلاثة ملايين ونصف المليون هيبتها وتساويها مع الآخرين، فالمسلمونَ الأميركيونَ يمتلكونَ من مقوماتِ ومصادرِ وعواملِ القوةِ " السياسية والاقتصادية والثقافية والسكانية " ما يمكنهم من إعادةِ توجيهِ مسارِ السياساتِ الأميركيةِ تجاهَ القضايا والمصالحِ المسلمةِ بصورةٍ متوازنةٍ تختلفُ عما هو سائدٌ الآن.

ولكن ما يعوقُ تحقيقَ هذا التأثيرِ يتمحورُ في غيابِ وجودِ هذا اللوبي المسلم القوي في الولايات المتحدة الأميركية من جانب، وجهلِ النخبةِ الفكريةِ والسياسيةِ والدبلوماسيةِ العربيةِ بميكانيزم عمل النظامِ السياسي الأميركي وعمليةِ السياسة الخارجية الأميركية.

المسلمونَ بحاجةٍ لتنظيم أشبه بتنظيمِ حملةِ "حياة السود تهمّ" التي أجبرت الأحزاب الأميركية الكبرى على الإلتفات للسودِ والإعتراف بأنهُ ثمةَ مشكلة استثنائية يواجهها الأفارقةُ في هذهِ البلاد.

وحينَ الحديث عن ضعفِ النشاطِ السياسي للوبي المسلم الأميركي لا بد من ذكرِ الجهدِ الكبيرِ الذي يبذلهُ المسلمونَ على النشاطِ الدعوي من أجل نشرِ الوعي الإسلامي والحفاظِ على الهويةِ الإسلامية، فالمؤسسات الإسلامية مثل المساجد والمدارس الأسلامية بالإضافةِ إلى المعاهدِ والمراكزِ الدعويةِ ليست بخافيةٍ على أحد حتى أن عددَ المؤسساتِ الإسلاميةِ الموجودةِ حالياً على الأراضي الأميركية وصلَ إلى ما يقاربُ ألفي مركز.

بإمكان مسلمي أميركا أن يكونوا قوة مؤثرة في الحياة السياسية الأميركية، لأنهم يتمركزون في الولايات المتأرجحة المؤثرة في السباق الانتخابي

أما عدد المدارسِ الإسلامية فيقدر بالمئات، هذا بالإضافةِ إلى المؤسسات الإسلاميةِ التي تؤدي دوراً كبيراً لوضعِ المسلمين في دائرة الضوءِ داخل المجتمعِ الأميركي، وإبرازهم كمواطنين أميركيين لهم ثقافةٌ متميزةٌ لا بدَ من احترامها. فيما نجدُ أنَ الجهدَ المبذولَ من مسلمي أميركا على النشاطِ السياسي أقلَ بكثير على الرغمِ من أهميتهِ وانعكاسِ تطوراتهِ على كافةِ مناحي حياة المسلمين في أميركا.

مسلمو أميركا بحاجة لأن يكونوا قوة سياسية ضاربة يحسب لها ساسة أميركا حساب لنيل أصواتها ودعمها، ولعلَ أولَ أهدافِ هذا التكتل السياسي المسلم يجب أن يكونَ تشجيع المسلمينَ الأميركيين على المشاركةِ في الحياةِ السياسيةِ الأميركيةِ، واستخدامِ حقوقهم المكفولةِ دستورياً وبخاصةٍ حقوق التصويتِ وحريةِ الرأي والتعبيرِ وحريةِ التنظيمِ السياسي والعمل على تشكيلِ قوةٍ انتخابية مسلمة ضخمة تتصدى لحملة دونالد ترامب وطموحاتهِ في الوصولِ للبيت ِالأبيض، فالجالية المسلمة هي من الجالياتِ الأقلِ نشاطاً في الإنتخابات عادةً حيث لا يشاركُ في الإنتخابات الأميركية سوى نسبة ضئيلة من مسلمي أميركا.

أما الانتخابات الحالية فتأتي في وقتٍ حرجٍ بسبب بروز داعش ونسبها للإسلامِ من قبلِ ساسةٍ ودول كبرى إضافةَ إلى الفوضى التي يعيشها الشرقِ الأوسط والتي تحتاج إلى قيادة أميركية حكيمة غير معاديةٍ للعربِ والمسلمين. في النهاية … بامكان مسلمي أميركا أن يكونوا قوة مؤثرة في الحياة السياسية الأميركية.

صحيح أن نسبة المسلمين الأميركيين لا تشكل سوى واحد بالمئة من المجتمع الأميركي إلا أن توزعهم في أميركا يتركز في الولاياتِ المتأرجحةِ التي ستحسم السباق الرئاسي كفيرجينيا وميشيغان وأوهايو.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.