شعار قسم مدونات

لماذا لا يواجهون الدولفين؟

blogs - rabaa
بالرغم من أن كثيراً من قواعد التنظيمات تصف الشعب بالسلبية والخضوع؛ سنجد في السلوك التنظيمي نسخة مصغرة من السلوك الشعبي، الفرق فقط في اختيار الصنم الذي ينبغي الخضوع وتسليم العقل له.

فلا تتمتع أغلب قواعد التنظيمات بالجرأة الكافية على النقد العملي لقيادتها، فقط حالات من التململ والتهامس، وحتى إن ارتكبت القيادات قرارت كارثية، فلا تتطور الهمسات إلى أعمال احتجاجية مثابرة يمكن أن تتصاعد من الاحتجاج إلى الإجبار على التنحي. الشعوب كذلك تسخط على الأنظمة وقلما تثور، وعادة ما تنهي حديثها بالمقولة المشهورة.. "ربنا يولي من يصلح".

التغيير في التنظيمات أمنية، لكن الاستقرار مقدم عليها، لذلك قلما يُترجم الحديث عن التغيير داخل التنظيمات إلى فعل

قواعد الجماعات تعلل عدم ثوريتها بأن للنقد قنوات شرعية مخصصة لذلك، فتكون النتيجة انتقد كيفما شئت والقيادة تنفذ ما شاءت. الحكومات تفعل شيئاً مشابهاً من خلال ما تسميه بالقنوات الدستورية، التي تضمن الاحتجاج وفق منظومة عدم التغيير. وقد تترك قيادات التنظيمات هوامش حرية لإبداع أفكار جزئية لا تمس النظام العام بتغيير بل تجمله، تماماً كالحكومات.

والقواعد تتعرض لفزاعات تضمن خضوعها، كالأمن القومي للجماعة وشق الصف، مثلما يتعرض الشعب لفزاعة الأمن القومي وإسقاط الدولة، حتى يصبح التجمع على اللارؤية مقدماً على أية محاولة للتغيير، والصمت على الفشل قربى يرتفع بها الشأن وبرهاناً على الوطنية الصادقة، والنقد أثناء الأزمة جريمة، أما من تسول له نفسه الخروج عن النص فيُرمى بالخيانة أو العمل مع جهات خارجية.

يضاف إلى ذلك -في حالة التنظيمات الإسلامية – الثقافة العامة تجاه القيادة، فالقيادة إن أصابت لها أجران، وإن أخطأت فأجر واحد. فهي فائزة على كل حال، إن لم يكن بالمركز الأول فالمركز الثاني. وهناك قيادات لا تفوز إلا بالميدالية الفضية، والقواعد تسجد لله شكراً.

كذلك تميل قواعد الجماعات للاستقرار، فالبعض مستفيد اجتماعياً أو نفسياً أو مادياً من بقاء الوضع على ما هو عليه. أما التغيير فهو أمنية لكن الاستقرار مقدم عليها، لذلك قلما يُترجم الحديث عن التغيير داخل التنظيمات إلى فعل. فالفعل قد يفسد معادلة الاستقرار.

الشعوب كذلك ميالة للاستقرار حتى مع سوء الأوضاع. مع الفارق أننا قد نلحظ أحياناً تقدم الشعوب على قواعد التنظيمات من حيث تعاملها مع السلطة، فيمكن أن تحدث بعض الانتفاضات حين تسوء الأوضاع ويوجد المحرض الذي يستثمرها لتحريك الشارع، أما قواعد التنظيمات فيغتالون أي محرض داخلهم يريد تغييراً جذرياً، فثورة الجياع محتملة في الشارع، أما ثورة المتعطشين لرؤية سديدة داخل التنظيمات تكاد تكون بعيدة المنال.

معظم قواعد الجماعات لديها ميل إلى تصديق الخرافات طالما جاءت عبر قنوات محددة، دون إجهاد العقل في أي عملية تثبت تليق بعقل حر، وهو ما يجعل الجماعات تساق لحتفها بسهولة، فعملية تسليم العقل لآخرين يحشونه بما أردوا ليست من نصيب الشعوب وحدها، والجميع يتعرض للتضليل بصدر رحب، بل ويعتز كل من عامة الشعب والتنظيميين بوسيلة التضليل، هذا يقول الإعلام يقول، والآخر يقول القيادة تقول.

القواعد ليست بريئة من فشل القيادة، خاصة نخبها الواعية التي ترى الفشل فلا تثور أو تسمع لها صرخة كرامة

بعض قواعد التنظيمات ترى الصفح عن انتكاسات القيادة استراتيجية مناسبة تدفع أضراراً أعظم، كذلك من الشعب من لا يخضع بقلبه، لكنه يتجرع المرارة ويصبر لأنه يرى المصلحة في ذلك، وكلاهما يتعلل بغياب البديل.

أما العواقب فمتشابهة لدى التنظيمات والشعب، فلولا تسليم القواعد لما طغت أو فسدت قيادة. فالقواعد ليست بريئة من فشل القيادة، خاصة نخبها الواعية التي ترى الفشل، فلا تثور أو تسمع لها صرخة كرامة. لينطبق عليها ما ينطبق على الشعب الذي لا تتوقف عن تأنيبه.. فاستخف قومه فأطاعوه. فلولا الطاعة والتسليم لما استكبرت قيادة، ولما رأت من تقودهم مجرد أرقام. هانوا في أعين قادتهم فهانوا في أعين الناس.

إن كنت ترى قواعد تنظيمك نجت من تلك المقارنة فاحمد الله، أما إن وجدت المقارنة تكاد تتطابق مع حالتك وما زلت تتساءل كيف يصمت الشعب على فشل السلطة، فستجد أنها في الغالب نفس أسباب صمتك عن الفشل داخل دائرتك التي تنتمي إليها، وإن كنت تتهم الشعب بالجهل، فبماذا نفعك علمك وهل تم التغرير بك من قبل؟! وإن كنت تشتكي من سلبيته وتصفه بالعبيد، فأخشى أن تتنقد عبادة اللات، لكن ترحب إن خضع الشعب لهُبل.

أما إن كنت تصفه بالجبن والخوف لأنه لا يقف أمام البطش، فاسأل نفسك.. كم محاولة جادة تصديت فيها للقيادة داخل تنظيمك؟! رغم أن الكلفة حتماً أقل بكثير من مطالبة شعب بالوقوف أمام آلة قمع تزهق الأرواح. حينها ستتعجب.. كيف لمن لا يواجه الدولفين، أن يطلب من الناس مواجهة الحوت؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.