شعار قسم مدونات

لعنة الجواز السوري

blogs - syri
"أنا ما معي شي .. ما معي أوراق.. يعني إن شاء الله بيمشي الحال مع أخي"..
كانت هذه كلمات اللاجئ السوري "س" الذي وجدت له في سنون هذا الحرف الثلاث ملاذاً آمناً لهويته الحقيقية من حرب نخرت عظام بلادي سوريا ولا يزال شبحها يطارده حتى اللحظة رغم وصوله إلى بر الأمان في لندن. لكن دوي الانفجارات والقصف الأسدي والإيراني والحزب اللاتي والروسي هي ذكرى أصعب من أن تنسى وجرح آلم من أن يبرى.

وعذراً من باقي المغتصبين لبلادي الذين نسيت ذكر أسمائهم فعلى الرغم من اختلافهم إلا أنهم ما اجتمعوا على أرضي إلا لذبح أبناء جلدتي ولهذا فـ"إن البقر تشابه علينا"!

قلت للسيد "س" إن تقديمك للجوء هنا يعني أن الأمور جيدة وأن مجيء أخيك إلى البلاد أصبح يسيراً بإذن الله". رد بصوت يرجف فرحا "إن شاء الله .. الله يسمع منك".

تلاشت آمال العودة أمام أعمدة الدخان التي تتصاعد يومياً من حلب وإدلب، ودفن صداها بين صيحات الجياع في حلب المحاصرة
أنهيت المكالمة وخطفتني ذكرياتي بضع سنين إلى الوراء ودخلت في مونولوج أسترق فيه بضعاً من ذكرياتي الهاربة..

أذكر يوماً عندما اتخذت من إحدى أزقة مدرستي ملجأً لأذاكر في الدقائق الاخيرة قبل الامتحان ما درسته الليلة الماضية بعيداً عن ضجيج الطالبات، إلا أنهن تبعنني فرأيت مجموعة من خمسٍ أو ست طغى صوت ضحكاتهن على عددهن. سألتهن "ما الخطب" فقلن والضحكات تتسابق من أفواههن "أنت باكستانية ولست سورية".

عم تتحدث هؤلاء البلهاوات في الدقائق القليلة قبل الاختبار؟!
أخذنني إلى قاعة الامتحان وعلى بابها الخشبي ملصق لجدول يظهر اسم كل طالبة وجنسيتها وعرفن يومها أنني لا أملك جوازاً سورياً وأني بذلك أعتبر بالنسبة لهن مواطنة ذات درجة ثانية، فلست "عربية" ويا له من شرف في زمننا هذا! مع أنني لو فكرت قليلاً لوجدت أنه باعتبار جوازي الباكستاني وأني أعيش في باكستان فأنا مواطنة درجة أولى وهن الزائرات، لكن كثرتهن غلبت شجاعتي فقصدت والدي لأستعيد بعضاً منها.

قال لي "يوماً ما سنعود لسوريا رغم أنف النظام المجرم وسيكون لك جواز وستلتقين بأهلنا هناك وسوف تشعرين بحنين ودفء الوطن وكأنك عشت طوال حياتك هناك وسوف وسوف وسوف".. و"سوفوات" كثيرة تلاشت أمام أعمدة الدخان التي تتصاعد يومياً من حلب وإدلب ودفن صداها بين صيحات الجياع في حلب المحاصرة والغوطة وراحت أدراج الرياح خلف قضبان مساجين دكوا تحت الأرض دكا وابتلعتها أمواج البحر من على شواطئ تركيا كما ابتلعت لاجئين كثر فروا من موت إلى موت.

من قال إن الجواز السوري ما زال حلمي حتى اليوم؟ من قال إني أحتاجه؟ من قال إنه نعمة؟ إنه اللعنة بعينها في هذا العصر.

فحكومة باكستان كانت أشرف من النظام الأسدي المجرم الذي حرمني وحرم الكثير من السوريين حقهم الإنساني بامتلاك جوازات وهويات سورية، فقد نصب الأسد نفسه مالكاً للبلاد وجعل الانتماء له شريطة للانتماء لها.. لكن خسئ!

لقد فتحت لي حكومة باكستان أبوابها منذ ولادتي في بيشاور ومنحتني جوازا ومن ثم هوية وساوتني بأبناء الشعب الباكستاني وكأني واحدة منهم فشتان بين هذه وتلك. لم أكن أعلم حتى زمن قريب أنني في نعمة عظيمة، وإليكم كيف تجلت لي هذه الحقيقة.

فلقد منحني جوازي الذي كان محط سخرية الطالبات حق التعليم والصحة والتملك في البلاد و.. مهلاً.. هل ذكرت ذلك بصوت منخفض؟.. بالطبع!.. فمن المخجل والمضحك أن أكون سعيدة بتلك الحقوق الأساسية بالقرن الـ21، لكن بما أني عربية بل وسورية فذلك يعتبر رفاهية وبذخا بهذا الوقت مع أننا السوريين مشهورون بالتدبير والاقتصاد، لكن يبدو أن يدي "فاروطية".. واأسفاه!

لقد فُتحت لي أبواب دولة قطر بل ومنحت فيها إقامة لعامين، ورغم استغراب وإشفاق موظفي الدوائر الحكومية هناك علي كلما التقيت بأحدهم لأني عربية بجواز باكستاني، كنت أجاوبهم بأني على العكس محظوظة، فلا النظام في بلادي ولا أي دولة عربية قدمت لي ما قدمته باكستان، وقد أغناني الله عن جواز عربي آخذه بتقبيل الأيادي بجوازي الباكستاني الذي لو كنت أملك السوري مكانه لما دخلت دولة قطر في هذا الوقت العصيب.

بعد بضعة أشهر عُقد قراني بكل يسر في الدوحة بفضلٍ من الله، فجوازي الأخضر سهل الأمور بل وقد قُبل طلبي خلال يومٍ واحد لمنحي تأشيرة إلى بريطانيا والإقامة مع شريك حياتي هناك، بينما تُرفض مئات الطلبات المماثلة على الدوام خصوصاً لحاملي الجواز السوري فهو "بعبع" هذا الزمان و"فزاعته".

وهنا في لندن، بدأت تقديم طلبات للعمل بعد أن كتبت بفخر على رأس سيرتي الذاتي أنني أملك إذن العمل في البلاد.

سوريا.. وطني الذي أؤمن وبقوة أني لست بحاجة لجواز سوري حتى أثبت انتمائي له.. ولا هوية تثبت من أنا

وفي كل مرة أجري بها مقابلة لا بد أن تسألني الشركة عن جوازي بعد أن تعرف أنني سورية الأصل لتستهل وجوههم ارتياحاً ويبزغ ضوء أسنانهم البيضاء التي كشفت عنها ابتسامة الرضى بهذا الخبر. وآخر ذلك كان بريداً من إحدى الشركات أخبرتها فيه أني لا أملك جوازا سورياً بل باكستانياً فكان الرد "هكذا أفضل". 

يا لسخرية القدر ويا أسفي على وطني الذي جعل منه النظام الأسدي البربري شبحاً يتوجس منه العالم خيفة!

كم أنا محظوظة اليوم.. فعندما أسمع قصص اللاجئين كالسيد "س" أحمد ربي ثم أبذل قصارى جهدي في عملي التطوعي كمترجمة بين اللاجئين والمحاميين ليستطيع هو ومن مثله الحظو بلجوء في البلاد واستقبال ذويهم اللاجئين من "كاليه" ليلتم شملهم هنا ويبدؤوا حياة غير التي عاشوها في سوريا..

سوريا.. البلاد التي تربيت على حبها فأخذت من قلبي حيزاً وافراً..
سوريا.. وطني الذي أؤمن وبقوة أني لست بحاجة لجواز سوري حتى أثبت انتمائي له.. ولا هوية تثبت من أنا.. فبلادي عرفتني حين زرتها قبل ثلاث سنوات لبضعة أيام فغمرتني بنسائمها الدافئة مرحبة بي بصمتٍ عالٍ سمعته أنا وحدي وشعرت به بكل لحظة قضيتها هناك.. عادت إلي حينها "سوفوات" والدي وبقيت أردد بداخلي بهدوء "صدقت.. صدقت.. صدقت".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.