شعار قسم مدونات

فرعون.. ذلك المظلوم!

blogs-ramses

من بين نماذج تاريخية كثيرة يلتقط القرآن الفرعون المصري رمسيس الثاني ليكون نموذجاً تاريخياً للحاكم الطاغية المصاب بداء الكبر والغرور، ليس لأن رمسيس هو أسوأ حكام التاريخ بالضرورة، وإنما لملابسات عديدة تجعله النموذج الأكثر دلالة في سياق الصراع بين النبي الساعي إلى الإصلاح وحماية حقوق الإنسان، وبين الحاكم الذي يرى نفسه إلهاً لا يسأل عما يفعل.
 

واقع المجتمعات الإسلامية يدل على أن القرآن لم يحقق أهدافه المرجوة، بدليل أن الطاغية يتمتع فيها بمقام كريم، والطغيان فيها في ازدهار لا نظير له بين الأمم، فأين يكمن الخلل يا ترى؟

والقرآن بهذا يسهم بواسطة الأدب في خلق وعي سياسي واجتماعي قادر على ترسيخ قيم الخير ومقاومة انحرافات السلطة بكل صورها، ولأن القرآن يهدف إلى بناء "النموذج" في القصة لا إلى القص ذاته فقد أهمل ذكر العديد من عناصر القص الفني، مثل أسماء بعض الشخوص، والأماكن، والزمن الذي وقعت فيه الأحداث، لأن النموذج وحده هو الذي سيوظف في تحقيق أهداف القصة.

 

إلا أن واقع المجتمعات الإسلامية يدل على أن القرآن لم يحقق أهدافه المرجوة، بدليل أن الطاغية يتمتع فيها بمقام كريم، والطغيان فيها في ازدهار لا نظير له بين الأمم. فأين يكمن الخلل يا ترى؟.
 

لا يمكن اتهام القرآن بالفشل، لأنه لا يقدم نظرية محددة في الإصلاح الاجتماعي، وإنما يقدم مبادئ وقيماً وموجهات فلسفية ضابطة لأي نظرية في الإصلاح والتربية. ومن ثم يصبح الخطاب الديني – وهو الفهم البشري للنص القرآني – هو المسؤول الأول عن هذا القصور، ذلك من الناحية النظرية.
 

أما من الناحية العملية فإن النظرة الفاحصة للخطاب الديني التقليدي تكشف بوضوح عن مظاهر عديدة للقصور في هذا السياق.
 

من تلك المظاهر جنوح الخطاب الديني إلى أسطرة القصص التاريخي في القرآن الكريم، أي تقديم القصص القرآني بمسحة أسطورية تشبه – في أحسن الأحوال – ما تقدمه مدرسة الواقعية السحرية في الأدب الحديث، فالسارد الإسلامي للقصة القرآنية – بدلاً من إضافة العناصر الواقعية للقصة – يحاول إضفاء عناصر خيالية تخرج القصة عن واقعيتها التاريخية. وخطورة هذا المنحى في القص هي أنها تقذف في روع المتلقي المخاطب مفارقة هذه النماذج للواقع، ومن ثم عدم صلاحيتها لتفسيره.
 

وهكذا يصبح فرعون – مثلاً – شخصية فوق طبيعية لا مثيل لها في الواقع. وهو الأمر الذي يتحول إلى فصام في سلوك المخاطب المؤمن، حيث يقضي ليله في لعن فرعون القرآن، ويقضي نهاره في خدمة فرعون الواقع.
 

ومن الآثار الجانبية لأسطرة القصص القرآني عملية "تركيز" النموذج، بحيث يبدو النموذج القصصي ممثلاً للخير المطلق أو الشر المطلق، بطريقة تذكر بالمنظور الدرامي لأفلام ومسلسلات ستينيات القرن الماضي، المتناسب مع لوني الشاشة آنذاك (الأبيض والأسود)، فالبطل إما أبيض (خيّر لا يعرف الشر) أو أسود (شرير لا يعرف الخير)، وهو ما تجاوزته الدراما في وقت لاحق، فأصبح البطل أكثر واقعية، أي مزيجاً من الخير والشر، يغلب عليه هذا الجانب أو ذاك بصورة نسبية.
 

بذلك المنظور المثالي تم تقديم شخصية فرعون في الخطاب الديني التقليدي، حيث بدا نموذجاً للشر المطلق، في حين أن القرآن في معرض بيان الخصائص التي تستحق الإدانة في شخصيته وسلوكه، ولم يكن في معرض التأريخ لشخصية رمسيس الثاني حتى يأتي بما له وما عليه.
 

لقد أراد القرآن القول إنني أدين هذا الشخص وهذا النموذج من الحكام، لأنه انتهك حقوق الإنسان وحرياته، وليس مهماً بعد ذلك إنجازاته على المستوى المادي والسياسي، فهذا من اختصاص التاريخ السياسي لا من اختصاص الدين.
 

فرعون ليس شخصية أسطورية خارقة، بل إنسان طبيعي يعيش بيننا ويذهب معظمنا لانتخابه كل أربع سنوات

لقد كان رمسيس الثاني واحداً من أنجح الفراعنة المصريين، بل إنه صاحب أكبر نهضة عمرانية في تاريخ مصر القديمة كما تدل الآثار، وهو ما يشير إليه القرآن في قوله "وفرعون ذي الأوتاد"، أي صاحب الأساسات المعمارية الكبيرة. فقد بنى في عهده مدينتين على الأقل، هما رعمسيس والفيوم، وإن كان هوسه الأساس في بناء المعابد والتماثيل، كما أنه نجح في تأمين كامل حدود مصر من الغزاة والأخطار التي كانت تحيط بها.

 

وتدلنا الآثار التاريخية على أنه كان -إلى جوار شجاعته- شخصية ذكية ومرنة بدليل أنه عقد صلحاً دائماً مع أعدى أعداء مصر آنذاك وهم الحثيون، وطلب منهم الارتفاع بالعلاقة بين البلدين العدوين إلى مستوى المصاهرة بين الأسرتين المالكتين.
 

و كان قراره الملكي بقتل المواليد الذكور الإسرائيليين إلا إجراء سياسياً لحماية مصر والمصريين من التهديد الديمغرافي الذي يشكله الإسرائيليون في مصر. فقد كانت النساء الإسرائيليات -كما تقول التوراة- ذوات خصوبة عالية، في مقابل ضعف الخصوبة لدى المصريات، وهو ما ينذر بتكاثر الشعب الإسرائيلي وتحوله إلى تهديد ديمغرافي يذكر بتهديد الهكسوس الذين دخلوا مصر جماعات قبل أن يبدأ غزوهم الرسمي لها، وهو ما أدى إلى تسهيل سيطرتهم التامة على مقاليد السلطة فيها.
 

لا شك أنه تفكير شيطاني وسلوك إجرامي ذلك الذي دفع رمسيس إلى القرار القاضي بقتل مواليد الإسرائيليين الذكور. لكنه كذلك من المنظور الديني والأخلاقي، أما من المنظور السياسي فهو قرار منطقي. والفارق بين المنظورين يأتي من نقطة مبدئية أخرى متقدمة على هذا القرار لها بعد أخلاقي يتمثل في حرمة القتل من منظور الدين.
 

ومنظور حقوقي يتمثل في الحكم على الإثنية الإسرائيلية الموجودة في مصر آنذاك، ففي حين يراها فرعون أقلية دخيلة، يمنحها القرآن الجنسية المصرية بقوله "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم"، فالآية تجعل هذه الشيعة (بنو إسرائيل) جزءاً من أهل مصر (أهلها) على اعتبار أنهم استوطنوها قرابة 400 سنة. وهي إضافة حقوقية أخرى يقدمها القرآن بجانب الحقوق المدنية التي يحميها دوماً.
 

الخلاصة: فرعون ليس شخصية أسطورية خارقة، بل إنسان طبيعي يعيش بيننا ويذهب معظمنا لانتخابه كل أربع سنوات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.