عرب الجزيرة وسؤال اللغة

c

يبدو سؤال التشكيك اللغوي والعلم باللغة غريبا لمن هم أبناء اللسان الناطق وأصحاب الكلمة الأم لكن الأغرب أن يكون هذا التشكيك في حق الذين ملكوا وتسيدوا أذكى لغةٍ وأعمقها في فهم العالم واحتواء جديده وقديمه.
 

اللغة التي تكلم الخالق بها واختار نهاية الرسالات بكلماتها وخاتم الرسل من قومها اللغة التي تمتلك أغنى مخزون كلماتي ووصفي وأعلى كثافة تصريفية وبلاغية.
 

الوجود البشري لم يكن متداخلا مع بعضه البعض بالصورة التي نعيشها إلا فيما ندر من التواصل الحضاري والتجاري

لا بأس أن نحاجج على قدر السؤال في نسق معرفي وثقافي بعيد كل البعد عن دافع السؤال أو شخصنة السائل فالسؤال في كل الأنساق يعيد للعالم قدرا جزيلا من المعرفة والهوية التي تفتقد في واقعنا اليوم حضورها اللغوي والقومي والتاريخي ولهذا فالسؤال المطروح هو أن الجزيرة العربية تفتقد لعلماء لغويين أسسوا مناهج وقواعد للغة العربية في تاريخ الجزيرة العربية.
 

يقودنا السؤال إلى مرحلة زمنية متقدمة للإنسان فالوجود البشري لم يكن متداخلا مع بعضه البعض بالصورة التي نعيشها إلا فيما ندر من التواصل الحضاري والتجاري.
 

ولهذا فاللغة لشعب تحكمه جغرافيَا خاصة به كانت متوارثة ومعروفة بالفطرة والطبيعة ولم تكن الرغبة ضرورية لخلق قوانين تُقيد اللغة كون الكلمات مخصوصة لكل شعب ولكل جغرافيا وهكذا كان شأن جميع اللغات فنشوء قواعد اللغة كان فطريا ومتوارثا ثم تم تقنين اللغة وتأطيرها لرغبتهم في تعليمها للآخرين الغير الناطقين بها

ذات الأمر كان عند العرب قبل الإسلام فهم ناطقون للغتهم العربية بفطرتهم وسليقتهم إذ لم يكونوا بحاجة لعلماء منهجيين بالعربية وأصولها وقواعدها فهُم أبناء الأرض وسادة اللغة والفصاحة ولهذا كان السبيل لإثبات النبوة آتيا من جهة الفصاحة والبيان إقرارا لهم بقدرتهم وبراعتهم اللسانية.
 

بدأ الإلحاح لتقعيد اللغة العربية وفهم نحوها وصرفها وبديع محاسنها ومعانيها يفرض نفسه لاحقا مع دخول أعراق وأجناس مختلفة للإسلام ومع ظهور حملات المانوية التي كانت تشكك في الإعجاز اللغوي للقرآن وبالفعل ظهر العلماء اللغويون والنحويون والبلاغيون بعد صدر الإسلام بسبب اتساع رقعة الاسلام ورغبة غير العرب لتعلم اللغة العربية وفهم القرآن
 

عرب الجاهلية كان الواحد منهم شاعرا وخطيبا وبليغا أي أن كل عربي جاهلي كان عالما باللغة وفاهما لكل مداخلها ومخارجها، شعراء الجاهلية وخطباءهم كانوا أكبر لغويين بحسب مقاييس اللغات وليسوا لغويين فقط فمعلقاتهم تثبت وجود بعد فلسفي ونظري في شعرهم ونظرتهم للحياة وللصحراء والمتأمل فيما تبقى لنا من آثار لعصر ما قبل الإسلام سيفهم عقلية العربي الواسعة التي تتفق مع امتداد الصحراء والطبيعة الجبلية فالقصيدة العربية القديمة نجحت في تصوير الحس الإنساني والفلسفي والشاعري الذي تميز به العربي في جاهليته التي هي جاهلية دينية وليست جاهلية ثقافية ومعرفية
 

الجزيرة العربية احتوت على عواصم علمية وثقافية وليس أدل عليها مكة المكرمة التي كانت حاضرة عربية وعاصمة تجارية ودينية

مع توسع الفتوحات الإسلامية وامتداد الحضارة العربية تفطن العرب إلى لغتهم خوفا عليها من ضياع لسانها الفصيح وهنا يتجلى دور العرب في حفظ اللغة واختراع سياج واسع لها يتماشى مع سعة اللغة العربية وشموليتها اللانهائية.
 

القول بأن عرب الجزيرة كانوا من الأعراب والبدو الذين لم يسهموا في التأسيس اللغوي والحضاري هو قول فيه مغالطة كبيرة إذا ما عرفنا الجزيرة العربية تشتمل على تعدد بيئي واسع يتمدد من سلاسل الجبال وشواطئ البحر إضافة إلى الصحراء بواحاتها وحاضراتها
 

لاحقا ظهر من الجزيرة العربية عبقريات لغوية ولسانية يعترف بها لليوم فأول من وضع علم النحو وأدخل على الإملاء العربي تحسينات النقط والكتابة هو أبو الأسود الدؤلي بأمر من الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم كما لا يخفى أن أول تأليف ممنهج للمعاجم العربية وأول تأسيس لعروضيات الشعر كان من قبل الخليل بن أحمد الفراهيدي، وأول اطلاع وترجمة لغوية لحضارة اليونان للغة العربية كان من قبل خالد بن يزيد الأموي.
 

الجزيرة العربية احتوت على عواصم علمية وثقافية وليس أدل عليها مكة المكرمة التي كانت حاضرة عربية وعاصمة تجارية ودينية وكان فيها من القراء والمثقفين من عصر ما قبل الإسلام وبعده وقد حفظ لنا التاريخ ورقة بن نوفل الذي كان قد قرأ في كتب الأديان وعلم باللغات والشعوب وفهم نبوة الرسول محمد في صدر الأمر.
 

لم يعرف عن أمة براعتها وتقديسها للغتها كما عُرف عند العرب فشعراء الجاهلية كانوا نوابغ بالكلمات وعباقرة التفنن بالوصف والمحاسن وقوة البلاغة وكانت لهم من سطوة الكلمات ما لا يبلغه الفارس لأن كلمة هجاء واحدة تستطيع تحطيم الملوك وكلمة استنهاض بالتاريخ والقومية تُحرك الفرسان ولهذا حفظ التاريخ عباقرة الشعر في الحرب والعشق وملاحم المعلقات التي لا ينتهي الحديث عنها والتي كانت أرض الجزيرة هي المهد والحاضن للروح الشاعرية والبلاغية.