شعار قسم مدونات

طبيعة الصراع

blog صراع

الصراع قديم أزلي، ولعل المرويات التاريخية لا توضح معالمة بشئ من التفصيل، لكنها تذكر أنه كان بين مخلوقات غير بشرية في البدايات، فالصراع الأول لم يكن بين الإنسان وبني جنسه، ولا بين الإنسان والشيطان كما سنذكر فيما بعد، ولكنه وُجد قبل خلق الإنسان بوقت مجهول التاريخ.

فالصراع الأول بدأ بعيدا عن السماء، والتي لم يدخلها الصراع إلا بوجود الإنسان بالقرب منها، أما قبله فكان الصراع على الأرض بين الجن والبن، تلك المخلوقات التى سبقت خلق الإنسان وسُكنى الأرض، والتى لا نعرف عنها الكثير سوى سطور متناثرة في المرويات القديمة في كتب التاريخ، والتي نتوقف أمام أغلبها بلا تصديق ولا تكذيب.
 

البداية الواضحة للصراع والتى نعرفها بشكل يقيني؛  كانت في مكان لا ينتمي للوجود الذي نعيش فيه حاليا، ووقع بين الإنسان والشيطان في الجنة والقصة معروفة

ولا نعرف عن تلك المخلوقات المتصارعة شيئا عن صفاتهم العامة أو الخاصة (بغض النظر عن الربط بينها وبين حفريات أثيوبيا) ولا سيكلوجيتهم ولا دوافع صراعهم الذي انتهي بانتهاء وجودهم وإبادتهم عن طريق الجن الذين سلطهم الله عليهم وخلفوهم فيها، ثم انتهى أمر الجن أيضا بالهلاك والشتات على يد إبليس وجنوده المرسلون من قبل السماء.

ومع جهلنا بطبيعة هؤلاء (الجن والبن) لكن فكرة الصراع موجودة ضمن نوازعهم الخلقية، ونجد تلك النوازع في الجن أيضا والشيطان والإنسان والحيوان وكل ما خُلق، ولم يُعصم منها سوي الملائكة بإرادة الله الذي صممهم تبعا لمشيئته، والتى اقتضت خلوهم من تلك النوازع وغيرها.

أما البداية الواضحة للصراع والتى نعرفها بشكل يقيني فكانت في مكان لا ينتمي للوجود الذي نعيش فيه حاليا، ووقع بين الإنسان والشيطان في الجنة والقصة معروفة.

لكن ما يعنينا هنا هو الدافع للصراع، خصوصا وأنه الصراع الأول الذي كانت الإنسانية طرفا فيه لأول مرة، ومن هنا تتضح أهميته وخطورته ووجوب النظر فيه مرة أخري.

فإن الصراع لا يتمخض عنه خير خالص في أفضل نتائجه، ثم إنه يتشكّل بصور أخري كصدام وجريمة وحرب، وبالتالي فإن معرفة البواعث تعطينا الفهم الكافي لاستيعاب أية سلوكيات لمنافسين أو أعداء مهما كانت درجة القرب والود، فإن العداوة تبقي مستترة خلف ستار الزمن ولا تظهر إلا فجأة وقد فات وقت الوقاية منها.

أبليس كانت له نظرة خاصة في آدم قبل أن تُنفخ فيه الروح، مختلفة كل الاختلاف عن الملائكة الذين رأوا فيه عاصيا قبل أن يتم بناؤه، فإبليس رأى آدم منافسا ومنازعا لسلطته ومهددا لها

أما هذا الصراع فلم تكن البشرية ويمثلها آدم سببا فيه، بل وُجد في طريقها ليغير منحني حياتها للأبد، الطرف الرئيس كان "إبليس" ذو العلم والمعرفة، ذلك الذي ارتقى إلى درجة الملائكة، وأصبحت له سلطة هامة في السماء امتدت من خزانة الجنان ثم سلطة في سماء الدنيا وعلي ملائكتها، وسلطان على الأرض، وقد مرّ أنه كان قائد الجيش الذي أهلك الجن على الأرض.

فكان مخلوقا مميزا ذو سلطات واسعة، ولعلّ عدم نشأة صراع بينه وبين الملائكة هو عصمة الملائكة من ذلك، فسيكولوجية الملائكة وتركيبتها الخلقية تتمثل في أنهم "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"، وما كان استفسارهم عن خلق آدم إلا خوفا من أنه سيعصي ربهم، بالإضافة إلي أن إبليس كان مميزا وذو سلطات ؛ فلم يكن بحاجه للدخول في صراع، لكننا نحن كنّا المتغير الرئيس في حياة إبليس.

وكانت لأبليس نظرة خاصة في آدم قبل أن تُنفخ فيه الروح، مختلفة كل الاختلاف عن الملائكة الذين رأوا فيه عاصيا قبل أن يتم بنائه، أما إبليس فرأى آدم منافسا ومنازعا لسلطته ومهددا لها، فكان يمرّ بآدم وهو أجوف لم تُنفخ فيه الروح بعد ويحدّثه "لئن سُلّطت عليك لأهلكنّك، ولئن سُلّطت علي لأعصينك".

فلم يكن لآدم ذنب في إثارة حفيظة إبليس أو تأجيج العداوة في نفسه، ولكن الصراع حتمي، حتي وإن كان آدم غاية في اللطف والسلام، فليست كل المخلوقات على طبيعة واحدة، وليست بأخلاق ومبادئ واحدة، فمع خلق آدم وجد إبليس نفسه بالقياس لآدم صغيرا جدا، له أفضليات تسبقه بكثير، فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وعلّمه الأسماء كلها، ثم جاء الأمر للملائكة ولإبليس بالسجود لآدم ليُظهر العداء ويعطي إشارة البدء بالصراع الأزلي.

وذلك أكبر متغير وقع في حياة البشرية وحتي تنتهي، فإن إبليس لمّا رفض السجود ولُعن وطرد مع آدم أُعطي الخلود، وقرر من تلك اللحظة أن عداء آدم وذريته منهجه، وصحبتهم إلي الجحيم غايته، واستمر الصراع من وقتها إلي الآن، ثم إلي قيام الساعة وانتهاء القصة الإنسانية على الأرض..
 

إلى الآن لم تُفلح الفلسفات ولا الحكم ولا النظريات الاجتماعية في الحد من طمع الإنسان في السلطة والسعي الحثيث لها بطرق لا أخلاقية ولا إنسانية

فاستحقا عقوبتان مختلفتان، لكنهما تناسبان الجرم الذي صدر من كليهما، فالتعالي على الله الخالق لا يُقابل بعقوبة أقل من اللعن الأبدي، وعصيان الأمر الإلهي يكافئه العقوبة بالطرد من جواره، وكان ذنب آدم ليس عن قصد التحدي ولكن بطبيعة بشرية، وفي ذلك الصراع كانت البشرية والتى يمثلها آدم مُصْطَفّة متوحدة، تقف كرجل واحد ضد الشر الصريح "إبليس".

فكان السبب الرئيس للصراع الأول هو السلطة وحمايتها من المخلوق الجديد، ولعلّ ذلك من أكبر الأسباب التي قامت لأجلها الحروب عبر التاريخ، وأريقت في طريقها دماء الملايين، وذلك موجود بكثرة في تاريخ الأمم والحضارات وقيامها وسقوطها.

وإلى الآن لم تُفلح الفلسفات ولا الحكم ولا النظريات الإجتماعية في الحد من طمع الإنسان في السلطة والسعي الحثيث لها بطرق لا أخلاقية ولا إنسانية، فحتي العلماء والحكماء والفلاسفة يكونون -غالبا- وقودا لهمجية (المتسلطين).

وحتى الأديان السماوية والأرضية لا تُطَع تعاليمها، إذ أن أول ما تنهض عليه أي سلطة هي سحق السلطات الأخري حتي وإن كانت روحية في القلب وفقط، فالسلطات متعارضات حتي وإن اتفقت في أهدافها العامة، فإن من خصائص السلطة الأثرة والتكبر والتعالي والتفرد.

فما دمنا في هذا العالم الذي نشأ على أطلال صراع، فليس هناك آمان، ومهما ادّعى الإنسان الصدق في التزامه بإنسانيته في التعامل مع الآخرين فيجب الحذر حتي مع وجود اتفاقات السلام، فإن الدول حولنا تقوم بتصنيع كل ما من شأنه دمار الحياة وليس الأعداء أو الأعداء المحتملين فقط، فلا ينبغي علينا أن نغمض أعيننا ونطمئن لعالم على رأسه ممتلكوا الأسلحة النووية والقنابل الذرية.

وكلنا مطمع لأعدائنا الذين يرون فينا طبقا جديرا بالالتهام، قسّموه من قبل على مائدة سايكس بيكو.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.