شعار قسم مدونات

سعادة للبيع

blog سعادة

المكان: كوكب الأرض.
الزمان: القرن الحادي والعشرون الميلادي. 
الحالة: عجز تام أمام سرعة التغيير المذهلة.

إن الأرض التي من المفترض أن تحتضن أمننا واستقرارنا؛ أصبحت مسرحا للتهديد الدائم الذي يبيد فكرة الطمأنينة ويعزز الشعور بالخوف في مشهد حضاري متقدم.

كلنا نساهم في ثقافة الاستهلاك بدون استثناء، حتى أكثرنا ثقافة ووعيا لن يكون بمعزل من شبح "الحياة الاستهلاكية" التي تفرض علينا كل يوم مزيدا من الضغط والسرعة

ومع زيادة سرعة التغيير الذي يشهده عالمنا (سواء أدركنا ذلك أم لا)؛ تزداد جرعات الخوف التي تضخ في نفوس المستهلكين بطريقة لاشعورية، ويترجم هذا الخوف في تضاعف الأموال التي تنفق كل يوم في الأسواق التجارية الكبرى مقابل رفاهية مؤقتة تنتهي صلاحيتها عند أول جديد يطرحه السوق العالمي.
 

وهكذا فإن الخوف يزيد الرغبة قوة، ليعيش الإنسان في دائرة مفرغة، كلما ظن انتهاء حركتها زادت قوتها أكثر، فالشركات الكبرى لن تتوقف عن نسج أثوابها الفاخرة لأن فقيرا لم يجد ما يستر به عورته، والمراكز التجارية الضخمة لن تتوقف عن بناء منشآتها لأن متضررا فقد منزله، ومختبرات الدواء لن تتوقف عن صنع ترياقها الباهظ لأن جار الصيدلية المعوز توفي البارحة… والحياة بدورها لن ترحم بطيئا تثاقل عن سرعتها.

إن الخوف يستدعي مزيدا من البحث عن الأمان، وفي ظل المشهد الاستهلاكي الذي نعيشه؛ فالأمان يعني مزيدا من الامتلاك، فكلما املتكت أكثر زادت فرصة الشعور بالسعادة والأمن، والحل لا ينتهي عند حب الامتلاك فحسب.
 

بل يتطلب الأمر مزيدا من اليقظة ودقة ملاحظة سرعة التغيير التي تزداد باستمرار كل يوم، فهاتف الأمس باهظ الثمن سيكون اليوم عرضة للسخرية أمام نظيره المستحدث، وسيضعك في موقف مليء بالشك عند أول مكالمة ترد عليها أمام الملأ، فإذا أردت أن لا تشعر بحرج الاحتفاظ بأشياء لا يحتفظ بها أحد، تذكر أن طبيعة الحياة تعتمد على اليقظة لا الوفاء.
 

قديما، كانت سرعة التغيير التي يشهدها العالم بطيئة مقارنة بما نعيشه اليوم، حيث كان باستطاعة الفرد مجاراة هذه السرعة وبناء سعادته بما لديه من أدوات بسيطة ومحدودة جدا

واقع الأمر، أننا كلنا نساهم في ثقافة الاستهلاك بدون استثناء، حتى أكثرنا ثقافة ووعيا لن يكون بمعزل من شبح "الحياة الاستهلاكية" التي تفرض علينا كل يوم مزيدا من الضغط والسرعة، والرابح الوحيد في هذا التحدي هو الذي ينعم بخفة الحركة وسرعة الانتشار والتجدد، يتقن جيدا فن العيش في المتاهة ويعي بدقة متى يجب عليه مغادرتها.
 

ولعل المشهد قريب جدا من قول حكيم العزلة لاوتسو: "عليك أن تتدفق كما يتدفق الماء… أن تتحرك بسرعة للأمام، ولا تتوقف طويلا كي لا تصير ماء راكدا، ولا تتعلق بضفاف النهر، ولا تتمسك بآرائك، بل تعلق ببساطة، في خفة وكياسة…" لسنا بالضرورة مجبرين على أن نكون مثل الماء حتى ننجو، ولكن أن نتعلم من شربه أشياء كثيرة، أهمها الحياة.

قديما، كانت سرعة التغيير التي يشهدها العالم بطيئة مقارنة بما نعيشه اليوم، حيث كان باستطاعة الفرد مجاراة هذه السرعة وبناء سعادته بما لديه من أدوات بسيطة ومحدودة جدا، أما في زماننا صارت الأدوات نفسها معروضة للبيع، وإن تحقق الشراء فالبناء يحتاج لرخصة، وإن توفرت الأسباب؛ فالأرض متسعمرة!

على أي حال، لا يزال الأمل حيا في إيجاد منتج يساير سرعة هذا العالم، يحقق الفوز دون خسائر، يجعل الإنسان قضيته الأولى.

طلب: أن يلف المنتج بشريط وردي خال من تاريخ الصلاحية، ويكتب عليه بمداد المستحيل "سعادة للبيع."

انتباه: هذه المقالة غير قابلة للبيع، حقوق السعادة محفوظة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.