شعار قسم مدونات

ذهبية أبو غوش.. والملوخية!

blogs - ghosh
لا يخفى على الكثيرين النَفَس العنصري الذي يتسم به المجتمع الأردني بتعدد أطيافه، هذا الرهاب المجتمعي الذي بدأ بعد أحداث أيلول السبعين، والذي أحدث شرخا بين أبناء المجتمع الواحد والوطن الواحد، والسيمفونية المشتركة المشروخة الواحدة التي نرددها حفظا، وليس اقتناعا بها في كثير من الأحيان.

والتي مسختها روايات الكبار، ممن عاصروا تلك الحقبة وعملوا على تغذية الأجيال المتعاقبة بأحداثها، وتجييش من بعدهم برواياتهم التي تبدأ بقصة الجندي الأردني الذي قتله الفلسطينيون ولعبوا برأسه مباراة كرة قدم مكتملة الشروط والأركان، وتنتهي بقصة القتلى الفلسطينيين الذين داستهم دبابات الجيش الأردني في أوج الاشتباكات المحتدمة في حقبة مضت كانت تسمى بها عمان بـ"جمهورية الوحدات".

العنصريون على أتم الجهوزية لربط أي حدث أو إنجاز بمواضع تتعلق بالأصول والمنابت وشجرة العائلة واسم الجد السابع

مشكلة الشعبين الشقيقين (أو كما يفترض) أنه إذا اجتمع شخصان أردنيان بدؤوا بقدح الفلسطيني، وإذا اجتمع فلسطينيان أردوا الأردني قتيلا، وإذا اجتمع أربعتهم تحدثوا عن الوحدة الوطنية والأصول المشتركة، وباصات أجدادهم التي كانت تفطر في عمان وتلعب "تركس" في نابلس وتتعشى في القدس قبل عودتهم، إلى أن يتفرق الجمع وتعود الديباجة لتكرار نفسها.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشقيقين يعيشان في صراع متعلق بالهوية، بدءا من الأردني الذي يرى أن مواطني غرب النهر قد شكلوا بعد هجرتهم أغلبية سكانية وقوة اقتصادية كبرى في البلاد بسيطرتهم على القطاع الخاص، فيعيب بعضهم تمسكه بأصله ويرى فيها انتقاصًا من الهوية الأردنية تارة، ويذكره بفلسطينيته عندما ينادي بحقه المنقوص بالانتخابات النيابية والبرلمانية تارة أخرى.

وهو اعتراف ضمني بأن هذا المكنون الشعبي، فلسطيني عند الحقوق وأردني عند الإنجاز وهذا أقصى ما يتمناه العنصري الأردني (بعد الجسر). دواليك عن الديباجات الفلسطينية التي تنظر للمكنون البدوي نظرة انتقاصية متناسية أن شيوخ عشائر أردنية قاتلت جنبا إلى جنب مع أبطال فلسطين على مدار تاريخ الصراع في ضفة النهر الغربية مؤكدين أن كينونة الشعبين واحدة والدم واحد.

جُل هذه المناكفات المجتمعية ما هي إلا امتداد لصراع بدأه الساسة في فترة ما، انتهى أمده. ولكن يعاد إحياء رميمه من فترة لأخرى لمصلحة ما بتغذية من بعض الأطراف، منها المجتمعي ومنها المسؤول، لإبقاء جذوة الصراع مشتعلة وهو نوع من أنواع "الإلهاء الشعبي" عن قضايا أكثر أهمية، فيبدو المجتمع وكأنه في فصل من فصول الحرب الناعمة التي جعلت الشعب بشقيه يقتات على ردود الأفعال، وعلى أتم الجهوزية لربط أي حدث أو إنجاز، بمواضع تتعلق بالأصول والمنابت وشجرة العائلة واسم الجد السابع وغيرها من أمور تعمل على تعميق الفجوة بين الطرفين.

الليونة الموجودة عند مثيري النعرات تسمح بأردنة شخص عند الضرورة، وجعله فلسطينيا تتبعا للشروط والأحكام العنصرية أحيانا

تماما كالذي حصل بعد تعرض مبنى الاستخبارات لهجوم إرهابي وتعالي الأبواق العنصرية التي ربطت الحدث بمنبت المنفذ، مكسبين أنفسهم حقا دستوريا بسحب أردنية من شاؤوا وتوزيع درجات الانتماء وفقا لما تقتضيه مصلحتهم العرقية.

حالة الشد والجذب الموجودة في المجتمع لا يمكن أن تنتهي (بالمعنى الحقيقي) بعد أن مر على مسببها أكثر من أربعة عقود، تنامت فيها النعرات وازدادت بها الترسبات بين الطرفين، وغاب بها الوعي الكافي الذي سرعان ما يندثر عند أول بوابة ملعب يجمع في جنباته حشودا لفريقيهم، وعند أول صندوق اقتراع يجمع بين مرشحين اختلف أجدادهما في جهة السكنى عند النهر، وفي ظل الليونة الموجودة عند مثيري النعرات والتي تسمح بأردنة شخص عند الضرورة، وجعله فلسطينيا تتبعا للشروط والأحكام العنصرية أحيانا.

وهو ما اقتضى أن يهدي الفلسطينيون ميدالية "أبو غوش" الذهبية في الأولمبياد لذاك النائب الذي كان قد تحدث عن أن الفلسطينيين لم يجلبوا معهم للأردن سوى طبخة الملوخية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.