شعار قسم مدونات

بين الجغرافيا والأدب.. من سيبيريا إلى حلب

blogs - lights
في عام 1876 أصدر الكاتب الفرنسي جول فيرن (Jules Verne) عملا روائيا مختلفا عن أسلوب الخيال العلمي الذي عرف به (روايات "رحلة إلى مركز الأرض" و "من الأرض إلى القمر" و"عشرون ألف فرسخ تحت الماء" و "حول العالم في ثمانين يوما" وغيرها)، لكنه حقق شهرة طاغية واستحسانا بين عموم النقاد الذين اعتبروه من بين أفضل ما كتب فيرن، وأحدث جدلا واسعا بين القراء لسبب سنتعرف عليه بعد قليل.

عنوان الرواية "ميشيل ستروغوف"، وهي رواية تاريخية تعتمد الحبكة التشويقية، رسول من القيصر الروسي يحمل رسالة، وفي سبيل إيصالها يواجه أخطارا نابعة من تهديد تتعرض له الإمبراطورية الروسية من قبل التتار الذين يخططون للاستيلاء على روسيا بمساعدة خائن روسي موتور ينشد الانتقام من الكل دونما تمييز وربما دونما وجه حق، وبمساعدته وربما بتوجيهاته ينشر التتار الدمار في كل مكان يمرون به، فهل سينجح حامل الرسالة في مهمته ؟

أومن بما يسميه كثيرون التصوير الفوتوغرافي في السرد، والذي يجعل القارئ متفاعلا مع الأحداث كما لو كان مشاركا فيها 

أحدثت هذه الرواية جدلا واسعا كما قلت، أولا لأن حبكتها التشويقية المحكمة لم تكن مألوفة حينها، وثانيا (وهذا هو السبب الأهم) لأنها وصفت بشكل دقيق ومفصل الجغرافيا الروسية خاصة في سيبيريا، بطريقة تجعلك تعايش الأحداث كما لو كنت هناك، لكن المفاجأة هنا هي أن فيرن ليس مواطنا روسيا، ولم يزر روسيا في حياته أصلا !

طيب، ما علاقة هذه المقدمة بحديثنا اليوم ؟
عندما اقتنعت بأنني بلغت المستوى الذي يمكنني من كتابة رواية محكمة الحبكة، ناضجة المحتوى والشخوص، واضحة اللغة، (بعيدا عن موجة روائية حالية اختلط فيها الغث بالسمين في المشهد الأدبي العربي) وقع اختياري على موضوع الحرب التي تمزق سوريا منذ أزيد من خمس سنوات، الحرب التي دفعتني تفاصيلها والانقلاب العنيف في قناعاتي بسببها إلى أن أحمل قلمي وأكتب عنها، معتمدا بطبيعة الحال على خصوصيتي المغربية في الطرح والسرد.

رواية "خلف جدار العشق"
هي رواية عن عثمان، الشاب المغربي الذي يصارع كل سنة للنجاح في كلية لا صوت فيها يعلو على صوت الفساد و الزبونية.

عن ميرال، الإعلامية اللبنانية الحسناء التي شقت طريقها بنجاح حتى أصبحت مذيعة في شبكة إخبارية أوروبية مرموقة مقرها العاصمة الفرنسية باريس.

عن هيثم، الشاب العراقي و الضابط السابق في جيش صدام، تجبره الظروف على ترك بغداد و اللجوء إلى مدينة مالمو السويدية، ليتحول مع مرور الأيام إلى زير نساء لا حاضر و لا مستقبل له…

عن ليلى، ابنة اللاذقية الجميلة، التي تتورط في علاقة مع ضابط سوري يدعى ماهر، و الذي ظهر في حياتها بشكل مفاجئ وغامض.

نماذج بشرية مختلفة و متباينة، لكل واحد من هؤلاء حياته و مشاكله و همومه، لكن القدر يأبى إلا أن يلعب لعبته و يجمع الأربعة في أخطر مكان على وجه الأرض حاليا : مدينة حلب السورية…
الواقع أنني كنت أمام تحد صعب جدا، كيف سأكتب عن حلب، وعن سوريا بشكل عام، وأنا لم أزرها قط؟

قد لا يشكل هذا الأمر معضلة أساسية بالنسبة للبعض، لكنني مؤمن بما يسميه كثيرون بالتصوير الفوتوغرافي في السرد، والذي يجعل القارئ متفاعلا مع الأحداث، كما لو كان مشاركا فيها، فكان حرصي على التدقيق في التفاصيل أمرا حتميا.

لم تكن المسألة بتلك السهولة المتوقعة، إذ كنت بحاجة لبحث مضن بين عدد كبير من المصادر الجغرافية والتاريخية، والخرائط الدقيقة المفصلة لتضاريس المنطقة، والتواصل مع بعض الأصدقاء السوريين، فأنا أتحدث هنا عن عبور الحدود التركية السورية، والتدريبات العسكرية لمسلحي المعارضة في ريف حلب الشمالي، ووصف الإشتباكات الطاحنة في خطوط التماس الفاصلة بين الأحياء الشرقية والغربية للمدينة، وغير ذلك من الأحداث من خلال نظرتي ورؤيتي الخاصة لها بطبيعة الحال.

صدرت الرواية عن دار نوفا الكويتية، صحيح أن الترقب الذي يرافق إصدار أول رواية غالبا ما يكون مختلفا، وطبيعي أن أنتظر آراء القراء في العمل ككل، لكن هذه النقطة بالذات شكلت محور اهتمامي، هل نجحت في وصف أماكن لم أزرها أبدا، وبالدقة المطلوبة ؟ (لا يتعلق الأمر فقط بحلب، بل باللاذقية أيضا، واسطنبول وباريس وأجاكسيو ومالمو السويدية، فأنا لم أسافر خارج المغرب أبدا، ولم يسبق لي حتى أن ركبت طائرة !)

عدد كبير من الروائيين زاروا بعض البلدان قصد الكتابة عنها، أذكر منهم هنا سعود السنعوسي الذي زار الفلبين قبل كتابة روايته المميزة "ساق البامبو"

"هل أنت سوري ؟"، "هل قاتلت ضمن صفوف مسلحي المعارضة في سوريا ؟"، "هل زرت سوريا من قبل ؟" وغيرها الكثير من الأسئلة التي توصلت بها من طرف عدد كبير من القراء الذين وإن اختلفت انطباعاتهم حول روايتي الأولى (وهذا طبيعي) إلا أنهم اتفقوا جميعا على الإشادة بالدقة التصويرية المتناهية التي عرفتها فصول الرواية، بالتزامن طبعا مع تشويقها وتسارع أحداثها، فحمدت الله لأن المجهود الكبير الذي بذلته لم يذهب سدى…

بعد اطمئناني على عملي الأول، قررت الانتقال إلى مستوى أصعب، وهو كتابة رواية تدور معظم أحداثها في بلد آخر، بعيد قليلا عن الشرق الأوسط، وفي فترة زمنية لم أكن خلالها قد تجاوزت حتى الخامسة من عمري.

بدأت مرحلة البحث والتوثيق مرة أخرى قبل بضعة أشهر، وفي هذا الصدد، تواصلت عبر الفايسبوك مع صحفي وإعلامي معروف، اشتهر بتغطيته للأحداث التي شهدها هذا البلد في تلك الفترة، وأيضا بإنجازه وتقديمه لعدد كبير من الأفلام الوثائقية المهمة لصالح شبكة الجزيرة، وطلبت منه مساعدتي بمصادر تاريخية وجغرافية وغيرها لأستعين بها في مشروعي الروائي الجديد.

كان جوابه مقتضبا وحاسما :" لن تكتب عن بلد ولن تصفه بالدقة المنشودة في روايتك إلا إذا زرته ومشيت فوق تراب أرضه".

كلامه عميق جدا ودقيق، وعلى العين والرأس، عدد كبير من الروائيين زاروا بعض البلدان قصد الكتابة عنها، أذكر منهم هنا سعود السنعوسي الذي زار الفلبين قبل كتابة روايته المميزة "ساق البامبو" التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" سنة 2013، لكن في حالتي أنا فالعين بصيرة واليد قصيرة.

تمنيت فعلا لو أنني زرت هذا البلد الرائع والجميل الذي طبعت مأساته تسعينيات القرن الماضي، حتى أكتشفه عن قرب، غير أن ظروفي الشخصية (والمادية خصوصا) حرمتني من ذلك للأسف !
لكن يبدو أنني عنيد بعض الشيء، فقد قررت خوض غمار التحدي والمضي في مشروع هذه الرواية حتى النهاية.
هل سأنجح هذه المرة؟

قريبا بإذن الله ستكون روايتي الجديدة جاهزة للمراجعة والتدقيق والنشر. والحكم عندئذ للقارئ…

 

undefined

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.