شعار قسم مدونات

المخلوق التعيس

blogs - unhappy
 
"ربيع عربي" قالوا إنه مرّ من هُنا، لكنهم نَسوا أن يخبرونا كم كان هذا المرور مُفَخَخاً..
ثورات اندلعت هُنا وهُناك، اجتمعت فيما بينها على رأي لا يُنكره سوى "أولاد الحرام"، أن الحرية ليست جريمة، وأن الاختيار حق كفله الله لعباده، فلا يستقيم إيمان العبد إلا إذا كان حُراً "لا إكراه في الدين" فكيف تستقيم رجولته وهو ذليل؟!
 

لكن كانت وما زالت آذان الحُكام صماء لا تعمل أمام هذه الأصوات المُكتظة بالغضب، فتسابقوا فيما بينهم على وأدها و وَصمِها، تارة بالخيانة وتارة بالإرهاب، وكما تعلمون أن هذا النوع من التُهم مُستهلك عندنا وجاهز للاستعمال السريع، ويُمكن بموجبها اعتقال آلاف الأشخاص و إيداعهم الزنازين حتي إشعار آخر.

الفلسفة ضرورية لبنية عقلك الذي لا يجب أن يكون فارغاً، بل يجدر به أن يكون حكيماً

في كتابه "عن الحرية" أورد الفيلسوف والمفكر البريطاني "جون ستيوارت مل" مُصطلحاً جديداً أسماه "المخلوق التعيس" وعرّفه بأنه هو "الفرد الذي ليس له من هدف سوى المحافظة على سلامته الشخصية، وليس له من فرصة للتحرر إلا إذا ساعده غيره كي يصبح شخصاً حراً سوياً".
 

لا أستطيع أن أُخفي إعجابي بهذا الوصف، وكيف يمكنني أن أفعل وهذا المخلوق كائن أمامنا، يُمكنه أن يكون مؤيدًا بالنهار ومُعارضاً في الليل، يتطوع لخلق حالة فوضى أو صناعة حشد مزيف، فهو مُجرد صوت قابل للتأطير، وإن دعت الحاجة لتوريطه سيُحاسب على فواتير سيّده.

حقيقة أنا لست هنا للحديث عن المخلوقات التعيسة بدافع ثوري، بقدر ما أود الحديث إلى كل مخلوق يعاني استبداداً من نوع ما، مما اضطره للتخلي عن رصيده الكامل في الحرية بعد أن سلبوا حقه في التفكير، حتى تشكّلت لديه قناعة خاطئة بأنه أضعف من أن يتبنى مبادرة أو يقدم طرحاً، عن ضحايا العقل الجمعي واليقينية الساذجة، عن الحشود التي يمكنها أن تكون جلاّداً بقدر ما يُمكنها أن تصبح ضحية مع تباين الدوافع على علاّتها، عن القطيع وصاحبه.
 

كي لا تكون تعيساً..

ليكن احتمال الحق عندك مُشرَعاً ومفتوحاً لكل ما قد يأتيك من جديد، فليس للأفكار قانون، هي في الطريق تتغير دائماً ولا أحد يمكنه احتكارها، اختر من الأفكار ما يحترم عقلك بأريحية تامة ويبقيها عُرضة للشك والتغيير، فالأفكار تتجدد، ولا شيء يبدو كما يبدو.

لتكن لديك القناعة والرضا التام لأن تقول "نعم"، والشجاعة والصلاحية الكاملة لأن تقول "لا"، ولو على سبيل العناد والتمرد، فلا أحد يمكنه اخضاعك أو السيطرة عليك بمصادرة رأي أو رهن قرار، حتى تتحول بالنهاية إلى جزء بليد كآلة قديمة تتحرك بمعزل عن إرادتك وشغفك.
 

لا تحتفي بالزيف أياً كان مصدره، لتكن أنت الشخص الذي إذا اجتمعت المخلوقات التعيسة حول كذبة صرخ باعتراضه وشقّ بصوته الحاد وعقله الواعي هذا الرضوخ والانتماء الأبله.
 

حاول أن تتخلى عن نصيبك في حفلة الضجيج وزخم الصورة العامة، كُن عزيز النفس مشاءً بقدر ما تكون إنسانا، لا تذهب لأداء تجربة في التمثيل، ولا تبرر كثيراً، أنت لا تدين لأحد بشيء.
 

كُن طَموحاً، إن رجلاً لديه طموح يمكن شراؤه، لكن رجلاً لا يريد شيئا لا سعر له.
 

لا تذهب لأداء تجربة في التمثيل، ولا تبرر كثيراً، أنت لا تدين لأحد بشيء 

تَفَلسَف ما استطعت إلى ذلك سبيلا، حتى وإن عابوا عليك، فالفلسفة تستفز عقلك فتدفعك لتحليل كل ما يأتيك من معلومات لتبحث فيما ورائها وتقف على حقيقتها، هي الحافز الذي يأخذ بيدك إلى التأمل في كل ما هو سائد وشائع كي تتيقن منه بالحُجَة وتستبين منه بالعقل، لا بما اجتمع عليه الناس، مهمة من أجل أن تعاود البحث والتساؤل، ضرورية لبنية عقلك الذي لا يجب أن يكون فارغاً، بل يجدر به أن يكون حكيماً.
 

أختم بما حذّر منه صديقي القديم "جون ستيوارت مل" قائلاً:
"الفكرة، الحزب، الحركة، المؤسسة، الجماعة التي تُقَزّم رجالها لكي يُصبحوا أدوات طيّعة أكثر في يديها حتى ولو من أجل أهداف مفيدة، سوف تجد أنه لا يمكن إنجاز شيء عظيم برجال صغار"

وربما هذا الفعل البغيض هو ما يُفسّر بطريقة ما الظرف الحالي الذي نعيشه والنفق المُعتم الذي نقبع فيه جميعاً نتلمس النور في نهايته سائلين الله الخلاص.

فإذا كانت النفوس كِبارًا .. تَعِبت في مُرادها الأجسامُ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.