شعار قسم مدونات

القاهرة الخديوية بين الملكية والجمهورية

blogs -Egypt

من القاهرة الفاطمية إلى فيينا إلى باريس اكتملت الصورة الذهنية لدي الخديوي إسماعيل مشيد القاهرة الخديوية، فبين مولده عام 1830 وتوليه حكم البلاد عام 1863 تكونت لديه العديد من الثقافات واطلع على الحضارات وسافر حيث الجمال، ليعود وذهنه محمل بمئات المشاريع التي انطلق منها بنهضته.
 

فقد ولد في حي الجمالية بقصر "المسافر خانة" وبقي بها أربعة عشرة عاما قبل ذهابه للعلاج بفيينا التي مكث بها عامين، ثم الي باريس التي سحرته بأضوائها وفنونها، ليتولى حكم مصر في 18 يناير 1863 بعد وفاة الخديوي سعيد، لتبدأ القاهرة في اعلان نفسها للعالم وتقول "هنا القاهرة".
 

انطلقت القاهرة من "وسط البلد" فبين شوارعها المتقابلة، المتقاربة في المساحة، وعماراتها ذات الارتفاعات الموحدة، والطراز المعماري الفريد، وقبابها فوق العمارات، وفتحات التهوية ذات الشكل الموحد، وميادينها المنتهية اليها شوارعها، ونسيجها العمراني، واحيائها البصرية؛ تتجلي العظمة.
 

كان مقر الحكم قبل تولي إسماعيل هو القلعة، فأمر إسماعيل ببناء قصر جديد ليحكم منه البلاد ويدير شئونها وهو "قصر عابدين"، انبهر إسماعيل اثناء فترة دراسته في باريس بالشوارع والميادين والمنتزهات العامة، فطمح ان تكون بلاده مكانا تحاكي فيه جمال باريس وروعتها، فأصدر قرارا بإعداد مخطط جديد للقاهرة "منطقة وسط المدينة" يكون المخطط على الطراز الأوروبي على مساحة ما يقرب من 700 فدان. 

تنوع الطرز المعمارية المستخدمة في القاهرة الخديوية أدى لجعلها متحفا فنيا مفتوحا على مساحة 700 فدان تنطلق منها العظمة والفخامة

عصر النهضة
ومن أبرز سمات ذلك العصر في العمارة هو الاعتماد على النسب والنظريات الفيثاغورثية، ومقارنة ذلك بحجم الانسان كمثال واضح ومقياس ثابت، واستخدام نمط الوحدة في المباني والمنظور والشكل الخارجي واستخدام الصخور كوحدة بنائية.
واعتمد التخطيط العام في عصر النهضة على استقامة الشوارع وانشاء الحدائق والقلاع.
 

العمارة الكلاسيكية
وهو نمط بنائي تم استخدامه في العمارة اليونانية والاغريقية والرومانية، وكان دافع رئيسي في ابراز العمارة بتراثها الفريد في عصر النهضة، وهي اشكال الواجهات الموجودة حاليا في مناطق وسط البلد.
 

طراز الآرت ديكو
وهو طراز فريد تميزت به باريس في التصميمات الداخلية، وهي اشكال فنية لتمييز الاشكال الداخلية بالألوان والمعادن.

كذلك استخدم طراز "الباروك" المشهور بكثرة استخدام الزخرفة في المباني، كما تم استخدام الطراز الإسلامي الجديد، وغيره من الطرز الأوروبية التي اثرت روح العمارة وجعلتها أما للفنون.

أدى تنوع الطرز المعمارية المستخدمة في القاهرة الخديوية الي جعلها متحفا فنيا مفتوحا على مساحة 700 فدان تنطلق منها العظمة والفخامة.
 

اعتمد إسماعيل علي معماريين اوربيين في وضع الرسومات المعمارية للمنطقة التي حلم ان تكون جوهرة للعالم تنطلق منها الحضارية المصرية الحديثة، وبالفعل انطلقت الحضارة الخديوية تحاكي الحضارة الفرنسية، فعمد أن يكون من بينهم المصمم المعماري "غوستاف إيفل" مصمم برج ايفيل، ومصمم تمثال الحرية، فوضع تصميما لكوبري أبو العلا.
 

ما وصل إليه حال العمران في مصر يجعلنا ننظر بحسرة إلى التاريخ، فماذا بعد محو هوية الدولة المعمارية

إن كنت زائرا للمرة الاولي للقاهرة الخديوية "وسط البلد" فلن تنسي ابدا أنك مررت من هنا يوما ما، لكن بشرط ان تغض طرفك عن ما وصل اليه الحال الان من المحلات التجارية المنتشرة، وتنظر الي مكمون وتفاصيل روح البناء وتضع في عقلك ان هذه المباني شيدها حكام سبقوا حكوماتنا الان بعد اسقاط الملكية بظلمها وجعلها من الشعب عبيدا، لكن وبعد استقرار الامر لهم هل استطاع احد ان يشيد مثل ما شيدوا؟
 

الحال الآن
انقلب الآن الحال رأسا على عقب فنحن لا نسعى للتشييد ووضع سمة واضحة مختصة بطراز جديد نريد اظهاره وتتسم به القاهرة، بل نسعى للمحافظة على ما مضي من تاريخ الأجداد، وليتنا نحافظ عليه، فما وصل اليه الان حال العمران في مصر يجعلنا ننظر بحسرة الى التاريخ، فماذا بعد محو هوية الدولة المعمارية.
 

اتخذت الحكومات المتعاقبة العديد من الوسائل والاليات للمحافظة على المناطق الاثرية بعضها ينجح والبعض الاخر او المعظم يبوء بالفشل.
 

الان تغطى الاتربة والألوان الداكنة نتيجة التراكم واجهات مباني القاهرة الخديوية، وتسكن الطيور واجهاتها، وتتخذ عشش الفقراء اسطحها سكنا يأويهم من غلاء أسعار العقارات بالمنطقة.

لقد وصف القاهرة الخديوية الروائي علاء الأسوانى في روايته "عمارة يعقوبيان" وصفا دقيقا متحسرا على حالها بقول أحد ابطال الرواية وهو ينظر اليها " يبصوا على البلد اللي باظت، يبصوا على العمارات اللي كانت أحسن من عمارات اوروبا، دلوقت بقت مزابل من فوق ومن تحت مسخ ".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.