شعار قسم مدونات

الطفل عمران.. ممثل بارع!

blogs - omran
برماد الحرب، ينقلونه من الظلام إلى النور في حركة سينمائية أقرب للحقيقة، يرفعه أحدهم وسط الناس ويضعه في الإسعاف أمام عيون الصحفيين وكاميراتهم، صراخهم يختلط ويأتي صوت أحدهم من بعيد "يا حرام يا حرام".

يضع الرجل عمران على الكرسي ويعود إلى الظلام ليحضر طفلا آخر، يحدق عمران بالناس ويتساءل "ما بالهم؟" يحدق في نفسه ويتساءل "لماذا تركتني أمي بهذه الملابس المتسخة؟" يمسح جبينه فتبتل يده بصبغة حمراء أقرب للدم، يحدق في يديه باستغراب، ويتساءل مرة أخرى "ما هذا؟" يرتبك، يحاول أن يتصنع المشهد، يفشل للحظة، ويمسح يديه في كرسي الإسعاف. يحدق في الكاميرا في صمت، انتظر المشاهدون بكاءه، هكذا اعتادوا أن تنتهي المشاهد! لكنه صدمهم ولم يبك، فاضطروا أن يبكوا هم كي يختموا المشهد.

عمران.. استنهض الكرامة فينا وأحرجنا وذكّرنا أن الموت في سوريا لم يعد خبرا استثنائيا، بل إن نجاة طفل من الموت أصبحت هي الخبر الاستثنائي

مشهد تراجيدي مفعم بالأحاسيس أتقنه عمران، فاستطاع أن يجعلنا نشعر بإنسانيتنا للحظات، وخيبتنا إلى الأبد، استنهض الكرامة فينا وأحرجنا وذكّرنا أن الموت في سوريا لم يعد خبرا استثنائيا، بل إن نجاة طفل من الموت أصبحت هي الخبر الاستثنائي الذي تذيعه كل قنوات العالم ويتحدث عنه كل النشطاء ويصبح مادة قيمة للنقاش.

طريقة تعاطي العالم مع حادثتك يا عمران ومع غيرها من المقاطع القادمة من بلاد الموت تشبه طريقة تعاطيه مع مشهد في فيلم هوليودي، مشاعر باردة وأسلوب مبتذل في التعبير عن الحزن، تعاطينا مع هذه المشاهد يدلل أن قلوبنا صارت قاسية بشكل مريب، قاسية بطريقة غير معقولة وغير مقبولة، نبكي للحظات ونتأثر لفترات ثم ننسى، وبعد عام تصبح لدينا مادة نتحدث فيها عن ذكريات وآلام سابقة.

في حرب 2014 على غزة كنت أحاول نقل الصور لكي أظهر الحقيقة على أمل أن يتحرك العالم، لكن للأسف لم يتحرك، وقبل سنة أفجعتنا صور الطفل ايلان الكردي غريقا نائما على شاطئ البحر ولم يتحرك العالم، وهذه صورة عمران خرجت بالأمس، لكن الله وحده يعلم كم هي الصور والمشاهد التي تبدأ وتنتهي دون أن نراها، كم من أطفال مثل عمران ما كان لهم فرصة ليكونوا نجوم شاشات لمدة 36 ساعة، كم من قصص حدثت وانتهت ومات أبطالها وما نالوا شرف دموعنا وحزننا وإعجابنا بصمودهم وصبرهم.

لا تسامحنا يا عمران، ولا تعد إلى التمثيل فإن المشاهدين لا يقّدرون فن الحقيقة، بعضهم سيستغل الصورة لصالحه في المناظرات وبعضهم سيستغلها في جلب المزيد من الدمار لأصدقائك الأطفال الآخرين وبعضهم سيراها ثم يشتم قليلا ليخفف من غضبه ثم يهدأ، لا تسامحنا يا عمران ولا تسمح لنا أن نخفف من وجع ضمائرنا بالبكاء على صورتك، لا تسامحنا وإياك أن تبكي أمامنا فالعالم سيء جدا لدرجة أنه يعتبر صورتك تمثيلية وأنت ممثل بارع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.