السلام الداخلي

السلام الداخلي هو أن تعهد إلى نفسك أخيرا فتبادرها بالصلح، فتكف عن لومها وتكف هي عن معاتبتك، تعترف لها بحدود قدراتك وتبارك هي مجهوداتك، تعدها بالمزيد في قادم الأيام وتشجعك هي على التطور، هو أن تؤمن بها و تبعثُ هي فيك الثقة، هو أن تنعم بالجلوس لوحدك مع ذاتك ترشف الرشفة من فنجان قهوتك وتحسها قد تغلغلت بداخلك، جرت في شرايينك، أيقظت جوارحك، وتسللت إلى حواسك لتبث في نفسك الطمأنينة و الرضى.
 

اعقد ونفسك هدنة، واجعل لها وقتا دوريا، فأنت في حربك ونفسك تمنع مثلا التلفاز أو على الأقل قنوات الإعلام السطحي، وتمنع العشاء المتأخر والمشروبات الغازية، ولا تتنازل عن ترتيب الغرفة، تستحم في الوقت وتنام على موعد، حتى ما إذا حان وقت الهدنة أطلقت لنفسك العنان، وهامت في فوضى خلاقة تمنحها البدء من جديد.
 

أساس السلام الداخلي القناعة، وعماده اليقين و قبول ما لا نستطيع تغييره

ولها عليك ان تصنعها و تنكب في بنائها، تشبعها بالقيم و المبادئ التي لا تحيد عنها، فالصدق مع النفس أولا واجب، وأن تعرف قدرها جيدا، و تنمي طاقتها على التحمل و قدرتها على التأقلم، و أعظم حالات السلام الداخلي تتجلى في تلك اللحظة التي لا تسمح فيها للناس او الأحداث التحكم باهتماماتك و توجهاتك، فتكن أنت مَلِكُ اختياراتك، و لإرادتك و قناعاتك كامل الصلاحيات في تقرير حياتك، و إلا كيف لنفسك أن ترضى عنك إن أنت نافقت و اتبعت ما اتبع الناس، إن لم يكن لك أسلوبك الخاص و طريقة عيشك المرتبطة بك و بأفكارك، إن لم يكن لك مواقفك المبنية على علم و رؤياك الخاصة بك و بتجربتك في الحياة، فلن ترضى عنك و لربما استصغرتك و رفضت كل هدنة و حوار، فكما قال العرب القوي في الحرب قوي في السلم.
 

وأساس السلام الداخلي القناعة، وعماده اليقين و قبول ما لا نستطيع تغييره، أذكر كيف كان بعض الأساتذة يأمرنا بوضع الأقلام مع انتهاء وقت الامتحان، فمن بين التلاميذ من كان يضع القلم في طمأنينة و قناعة و منهم من كان يحاول سرقة بعض الثواني التي لا تسمن و لا تغني من جوع، و لربما دفعت بالأستاذ لخصم نقطتين لعدم الامتثال للأمر، و ألاحظ كيف يحتال بعض المواطنين على الصف في قضاء مصالحهم الإدارية، و بدفعهم رشوة لربح دقائق أو ساعات يضيعها فيما بعد في الطريق، أن تصل ما وصلت دون غش و لا حيلة مضرة بغيرك هو ما سينعم عليك بالسلام، و يجعل من نفسك طائعة راضية مرضية بمرافقتك، و تمكنك من استغلال وقتك و حياتك أفضل استغلال، فغالبا ما يوصلك الاحتيال إلى القمة بسرعة البرق لكنه لا يُمَكِّنُكَ من البقاء فيها، بينما العمل السليم يتطلب منك جهدا و وقتا تملك بفضلهما القدرة على البقاء طويلا على عرش النجاح والازدهار.
 

و من حظ نفسك عليك أن تغتني عن الناس، و تسعد بمصاحبتها، قلما تجد من يصبر على وحدته، و جل الناس يفرون من أنفسهم إلى الناس، و لا يطيقون البقاء وحدهم في أوقات فراغهم، بل لا يستطيعون قضاء عطلتهم أو نهاية أسبوعهم بمفردهم، والغاية هي أن لا يوقفك شيء عن الاستمتاع، و أن تمضي في برنامج نهاية الأسبوع سواء توفر الرفيق أو لم يتوفر، و أن ترتاد مطعمك المفضل، و ناديك الرياضي او الترفيهي، و تلعب لعبتك المفضلة، فلا ضير في الاحتفال بعيد ميلادك لوحدك، ما دمت تخلد إنجازاتك و تحتفي بنجاحاتك، ولا تبخل على نفسك بفرحة و قسط راحة و استمتاع بعد جهد مضني، بل اجعل من ذلك عادة، فأنت لست بحاجة لأن يزفك الناس و يعترفوا بك، يكفيك أن تعترف أنت بإنجازاتك، و تخلدها في ذاكرتك، لتكون بندا و حافزا و أنت تفاوض نفسك على الهدنة.
 

السلام الداخلي هو أن ترى ما وراء الكواليس، و تنعم بخيالك وهو يصارعك على مواقفك غير المنطقية في بعض الأحيان

و ثمرة السلام الداخلي أن تكون في موقف صعب محفوف بالتوتر و قلبك مطمئن، وتلك حالة تصبو بها إلى أسمى الدرجات، كآخر يوم من التحضيرات للامتحان، ينتابك ذلك الشعور بأنك نسيت كل ما حفظت من دروس، و تنكب على امتحان نفسك و لا تستحضر شيء من دروسك، و تخشى حدوث الموقف و أنت في غمار الامتحان، لينطق ذلك الصوت بداخلك، طب خاطرا و سلاما فما كان لنفسك أن تخونك فيما عاهدتك عليه، و يختلف هنا صدى الصوت باختلاف درجة السلام الداخلي، هي نفس الطمأنينة تختلجك و أنت في موقف محفوف بالطمع و الأنانية منتظر في ذلك الصف الطويل مقتنع أنك ما دمت في الصف محترما حقوق الآخرين فلا خوف و لا طمع و مصالحك بخير و بركة، ثم تمضي في طلب العمل أو الولوج إلى الجامعة في موقف محفوف بالحاجة، و ما هو إلا هاتف من أبيك أو أخيك حتى يكون لك ما تريد، فترفض الوساطة مطمئنا أن رزقك أطيب إن لم تأكل حق غيرك، وأنك لا ترضاه لنفسك و تترفع بها عن الوساطة.
 

السلام الداخلي هو أن تقرأ ما بين السطور، هو أن تبلور الفكرة و تحللها لتذوب في عقلك بمنطق سليم و انسجام كامل، تماما كما تقضم اللقمة و
لتذوب و تهضم في يسر و انتفاع، و تنكب على اختيار الأفكار التي تلج عقلك كاختيارك للأكل الصحي، السلام الداخلي هو أن ترى ما وراء الكواليس، و تنعم بخيالك و هو يصارعك على مواقفك غير المنطقية في بعض الأحيان، هو أن تتحدى نفسك قبل أن تتحدى الآخرين، هو أن تعطي زميلك الجديد كل ما يحتاج من علم دون أن يشعرك ذلك بأن وظيفتك في خطر، هو اسكاتك لذلك الصوت المزعج الذي ينتابك في آخر لحظات سفرك موهما إياك أنك نسيت غرضا من أغراضك، لتستأنس بالطريق واضعا حدا لوسواسك، مُصَفِّياً حساباتك مع نفسك و طريقة ترتيبك لحقائبك، و مستخلصا لكل الدروس المستفادة لجعل سفرك في المستقبل أجمل.
 

حينها تقرأ كتابا عن العصبية فتختار التسامح و الاختلاف، و تقرأ عن الهمجية فتزيدك حبا في اللباقة و الاصطفاف، و تسمع عن التمني فتؤثر العمل و الاعتكاف، و تقترف الخطأ فتبارزه بالنكران و الاعتراف، و تدخل الجدال فتهم بالانصراف، و تلمح الوساطة فتعرف أنها منحى الضعاف، و تدخل مدن الإلحاد و الضياع و لا تخشى على نفسك الانجراف، و ترى طريق الذل و الضلال و تعزف عنه و لو اتبعه الآلاف، و تمشي واثق الخطى فارسا يُقْدِمُ على الحياة لا يخاف، فنفسك اليوم في عز و راحة و ائتلاف، و حسبك من الدنيا مواقف و مبادئ لا يشوبها خنوع و لا انحراف، و ارسم لنفسك طريقا واضح المعالم والأهداف، و انطلق فيه في متعة و جد متوازن خال من الاسراف، و اصنع لنفسك عيدا و بادرها بالحب و اسكن إليها و دع عنك القيل و القال و ضعاف النفوس واتباع الأسلاف.



حول هذه القصة

كشف باحثون متخصصون في الولايات المتحدة النقاب عن أن برامج التلفزيون تشجع على إصابة الفتيات المراهقات باضطرابات الأكل وضعف الثقة بالنفس. وأرجع الخبراء هذا التوجه لدى البنات إلى الرغبة في تقليد الممثلات والعارضات والوصول إلى مستوى رشاقتهن.

2/6/2002

قد تكون والدتك على حق عندما كانت تطلب منك الاعتدال في جلوسك وعدم الانحناء أو الارتخاء في مقعدك عندما كنت صغيرا، إذ تشير دراسة جديدة إلى أن وضعية الجسم السليم عند الجلوس تجعل المرء يشعر بمزيد من الثقة بنفسه.

9/11/2009
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة