شعار قسم مدونات

الخطاب الديني بين العقل والعاطفة

blog-islam

تعتبر العاطفة مكِّونا هاما للبناء المعرفي للإنسان، فرغم أن العاطفة ليست بناءً معرفيا بذاتها بل انفعالا يقود إلى الوصول إلى المعرفة ويصنع مقدماتها الهامة ويحرك دوافعها إلا أن العاطفة تصبح في دائرة الاتهام والفساد عندما تنفرد في بناء الوعي لما تُسببه من انحرافات خطيره ومزالق جمَّة في وعي أي أمة من الأمم.
 

إن الخطاب عموما والديني خصوصا يحتاج الى منبهات ومحفزات تثير في المتلقين مواطن الدافعية و التأثر والرغبة وهذه هي مهمة الخطاب العاطفي فمن سماته انه خطاب تحتوي مفرداته على الترغيب و الحب و التحفيز وابراز ملامح الجمال او جوانب السوء و الغضب و التخويف عبر مخاطبة الوجدان الانساني بغية احداث انفعال يدفع الى الفعل او الترك.
 

الخطاب العاطفي ليس خطاب بناء ومعرفة بذاته بل خطاب تأثير وتنبيه يفتح الطريق لخطاب البناء والمعرفة الذي يقوم به خطاب العقل

عند الاكتفاء بالخطاب العاطفي يكون خطاب البناء قد توقف عند اول الطريق فالبناء العاطفي يُحفزك ويدفعك للفعل لكنه بحاجة ان يُسِّلم مهمة الوعي الى مرحلة اخرى هي الاهم و الاخطر وهي مرحلة البناء المعرفي الحقيقي التي يقوم بها الخطاب العقلي فوظيفة الخطاب العاطفي التحفيز والتهيئة لاستقبال الخطاب العقلي الذي يُعلِّمك الطريق ويرسم لك خطوات الافعال فهو خطاب تفسيري وتوضيحي وتعليلي بالدرجة الاولى يبين طُرق و وسائل الوقاية و يُذكِّر بالعواقب والنتائج كما يجيب على تساؤلات الشخص واشكالاته العقلية ويطرح الأُطر العملية و وسائل البناء والارتقاء رغبة في الوصول الى تحقيق الهدف من أي موقف لبناء الوعي الكامل ليتحول الى معرفة وعلم.
 

ومن هنا يتبين ان الخطاب العاطفي ليس خطاب بناء ومعرفة بذاته بل خطاب تأثير وتنبيه يفتح الطريق لخطاب البناء والمعرفة الذي يقوم به خطاب العقل وعندما يتفرد الخطاب العاطفي في البناء التربوي والمعرفي يصبح المتلقين في دائرة انفعالية دائمة لا تعرف النهاية.
 

فمن سمات الخطاب العاطفي انه خطاب انفعالي يستيقظ عند وجود المؤثرات والمنبهات التي تحمل في طياتها صورة نمطية في وجدان المتلقي وبمجرد غياب هذه المنبهات والمؤثرات تضعف وتضمحل وتحتاج الى مؤثر جديد او اعادة السبب لتعود الى الانفعال ولذلك يحتاج الخطاب العاطفي الى تكرار الرمزية والمواقف المثيرة بشكل دائم وهذا ما ارشد اليه القران في قوله وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين فالذكرى تنبيه وتحفيز يزول ويضعف بزوال المؤثر لذلك لزم تكرارها بشكل دائم وليست الذكرى عملا بذاتها فوراء الذكرى عمل واخلاق وسلوكيات تحتاج خطابا مستقلا يبين تفاصيلها ويشرح معانيها وكيفياتها ويبين مقاصدها.
 

يعد الخطاب العاطفي خطابا مريحا للنفس لخلوه من الاعباء والتكاليف العملية وهذا يفسر الانجذاب الكبير له على عكس الخطاب العقلي الذي يشعر معه الانسان بالثقل لكونه يحتوي على الاوامر والتكاليف والاعباء العملية والسلوكية التي تؤسس البناء المعرفي والعملي للإنسان والنفس بطبيعتها تستريح وتميل الى خطاب العاطفة اكثر لهذا السبب وهذا من أسباب الإغراق في هذا الخطاب.
 

فعندما تُشحن الامة بخطاب العاطفة المجرد الى حد التضخم يضعف فيها خطاب العقل إلى حد التُهمة هنا ترتفع نسبة الانفعال ويضعف فيها خطاب التوجيه فتحدث الكوارث الفكرية و السلوكية الكثيرة وكأن الخطاب العقلي لجام يكبح العاطفة اللاواعية و يحفظها من التمادي ويرسم لها طريق الذي ترتقي به روحيا وعقليا وهذا هو البناء الحقيقي للإنسان.
 

الإنسان ليس عاطفة فحسب بل حياته متعلقة بنعمة العقل الذي يجعله يدرك الخير والشر والصحيح والسقيم واساس تعاملاته يقوم على هذا الميزان العدل بين العاطفة والعقل واعطاء كل خطاب مكانته وموضعه واهميته فالإغراق في خطاب العاطفة يولد خطابا مندفعا فاقدا للواعي بتبعات الافعال والسلوكيات ومألاتها والإغراق في خطاب العقل يولد وعيا جافا مغرقا بالتكاليف والاعباء مُنفِّرا للنفوس.
 

منهج التوازن هو المنهج الذي سار عليه الخطاب القرآني فالله يقول ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن فوضع الشيء في موضعه الصحيح هو الحكمة وهو خطاب العقل ولن تجد قبولا وترحيبا بها حتى يأتي خطاب العاطفة ممثلا بالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي احسن وهذا في الوضع الطبيعي عند تقديم الخطاب العام اما في وضع العلاج للإحراف فيُغَّلب خطاب دون آخر ليتم تدارك الانحراف الذي وقع في بُنية الخطاب الواعي المتوازن.
 

الإغراق في خطاب العاطفة جعل ثقافة الجماهير تميل مع صوت العاطفة الأقوى لا صوت الحكمة والعقل

ان المتتبع لواقع الخطاب اليوم بكل اشكاله وانواعه المقروء والمسموع والمرئي يراه يغرق في الخطاب العاطفي الوجداني كنوع من ردة الفعل لواقع الصراع وتأزم الواقع و هذا الواقع يضعف او يتجاهل معه الخطاب العقلي وهذا انعكس بدورة على انتاج المعرفة لدى النخبة المثقفة في المجتمع لضعف الثراء الذي يولده التساؤل والاستشكال والبحث المعرفي وهذا بدور ينتج وعيا زائفا عاجزا عن مواجهة واقع الحياة العملية وتساؤلاتها المعرفية المُلحِّة ففي ظل اجواء الانفتاح التي تفرض نفسها على ثقافة أي مجتمع انت لا تعيش ولا تفكر لوحدك الامة اليوم بحاجة ان يُبنى عقلها ليبنى وعيها ليستطيع مواجهة الكم الهائل من المعارف والتعرف على الصحيح والسقيم منها بدلا من تخديرها بخطاب عاطفي مجرد تفر منه من ويلات المواجهة.
 

ان تبعات هذا الاختلال في التوازن في بنية الخطاب التوجيهي افرز العديد م الاختلالات لها تبعات كبيره على بناء وعي المجتمع فالإغراق في خطاب العاطفة جعل ثقافة الجماهير تميل مع صوت العاطفة الاقوى لا صوت الحكمة والعقل وهنا اصبح من السهولة بمكان تحريك الجماهير لتكون سلاحا مدمرا بيد من يثير عاطفتها اكثر لقد تسبب الاغراق في الخطاب الديني العاطفي إلى عزل العقل عن نتائج التصرفات امام القضايا الكبرى والمصيرية و ما التطرف والتشدد و التعصب و الطائفية إلا حصاد لغلبة العاطفة وغياب العقل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.