في مواجهة المآسي

blogs - sadness

قد يجد المرء نفسه أحياناً في مواقف معيّنة يعجز فيها عن التعبير، ويشعر معها بعبء الكلمة وثقلها ولا جدواها، لا لأنّ لديه استعصاء في الإعراب عمّا ينتابه، بل لقناعته بأنّ ما يمكن أن يتفوّه به لن يؤدّي الدور المأمول منه، ولن يخفّف من تأثير المأساة المفجعة على أصحابها.
 

في بعض الحالات يفضّل المرء الصمت على الكلام، لا عملاً بأمثال تثني على الصمت وتبالغ في إضفاء التقديس عليه، بل ببساطة لأنّ أيّ كلام لن يسعف في معالجة الأسى، وتبديد الحزن، وقد يبدو خارج السياق، أو محاولة فاشلة لإخراج المفجوع من حالة لابدّ أن يمرّ بها ويعيشها.
 

قد يشعر المرء بمحدوديّة الكلمة في مواجهة المأساة، ولا يمكن له عبرها تبديد الحزن عن محبّيه أو أقاربه أو قرّائه، فيلوذ بصمته

كثيرة هي المواقف التي شعرت فيها مؤخّراً بلا جدوى المواساة، وعبثيّة التعزية، ولاسيّما أمام مصائب تحلّ على أصدقاء واقارب في واقع الحرب والدمار والتهجير والتشريد الذي نحياه منذ أكثر من خمس سنوات، وقبله واقع الاستبداد والطغيان، وتدمير النفوس، وتلويثها عبر سلسلة من السياسات والممارسات المباشرة وغير والمباشرة.
 

يحزّ في النفس، ويثقل على الروح، أنّ عشرات المصائب تحلّ على أهل وأصدقاء موزّعين في جهات الأرض، وتكون وسيلتنا الوحيدة هي التعزية عن بعد، ومحاولة المواساة، بكلمات التأميل، وتمنّي الصبر والسلوان لبعضنا بعضاً. هنا صديق عزيز يفقد إخوته أو أقاربه أو بيته، تتردّد كثيراً قبل أن تهاتفه، لأنّك لن تستطيع المكابرة على جرحك وجرحه، فتكتفي بكلمات مكتوبة ترسلها، من شأنها أن تتستّر على دموعك، وتخفي انهيارك.
 

قد يشعر المرء بمحدوديّة الكلمة في مواجهة المأساة، ولا يمكن له عبرها تبديد الحزن عن محبّيه أو أقاربه، أو قرّائه، فيلوذ بصمته، وهو نوع مركّب من الحزن، ذلك أنّ البوح يحمل راحة ما للبائح، ويخفّف عنه ضغطه الجوّانيّ المتعاظم، كي لا يتفجّر، أو يصاب بضغوط نفسيّة جرّاء تراكم القهر والأسى.
 

في مجتمعاتنا الشرقيّة، جرت العادة أن يجتمع الأهل والأقارب والأصدقاء حين وقوع مصيبة ما، يحاول كلّ واحد المساهمة بدوره في المواساة، ويكون السعي لإنساء المرء مصابه الذي يبدأ عظيماً مهولاً، ثمّ يخفّ رويداً رويداً، وبحسب عمق الجرح.
 

يقال إنّ صاحب المصيبة أعمى. ذلك أنّ المصيبة قد تفقده توازنه لبعض الوقت، وتبدّد هدوءه، وقد تدفعه إلى قول أو فعل ما لا يودّه، كأن يقع فريسة حزن يتلبّسه ويبعده عن حياته ومحيطه، موقناً أنّ حياته تفقد معناها برحيل الراحلين، ويكون في إحاطة المفجوعين جانب من الإلهاء والإشغال والتصبير والتماسك.
 

لا بديل عن الوقوف والاستمرار، لأنّ الحياة تمضي، ويكون الوفاء للراحلين بالبقاء على قيد الأمل

اليوم، تتبدّى الحروب الدائرة في غير بقعة من بقاع العالم العربي، سوريا، العراق، اليمن، ليبيا.. مقتلة مفتوحة، تبثّ على مرأى ومسمع ومشهد من العالم المتحضّر، ذاك الذي تشدّق كثيراً بأنّ عصر الإبادات الجماعيّة قد ولّى إلى غير رجعة، في الوقت الذي تدمّر فيه مدن بكاملها انتقاماً منها ومن تاريخها وحضارتها.

تثير مشاهد الخراب والضحايا الكثيرة الرعب في النفوس، وتعيد طرح السؤال الممضّ عن جانب الولاء للوطن والإنسانيّة والأخلاق في واقع الحرب والتدمير أمام اجتياح المحن، وتعاظم الويلات، لا غضاضة من البكاء، فالدمع المنحدر يهدّئ نزف القلوب المدميّة.


لا مفرّ من الحزن، لأنّه لا مواساة مقنعة مع الفجائع. ولكن لا بديل عن الوقوف والاستمرار، لأنّ الحياة تمضي، ويكون الوفاء للراحلين بالبقاء على قيد الأمل، وعدم الارتكان للذبول واليأس.