طريق الموت نحو السعادة المفقودة

blog-الهجرة

ليس سهلا على الإنسان أن يرحل عن وطنه، ذلك الوطن الذي تربى فيه فتحسس أرجاءه واستنشق هواءه وتلطخ جسمه بطينه وتوسخ بترابه، فحب الوطن من مشاعر الفطرة والغريزة في الإنسان، ولهذا لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة إلى المدينة التفت إليها وقال: وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَاللهِ لَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ، فلم يُرد عليه الصلاة والسلام الخروج منها وتركها إذ أنه أحبها محبتان، محبة دنيوية إذ نشأ فيها وترعرع على أرضا ومحبة دينية لأنها خير بقاع الأرض لما فيها من شعائر ومظاهر دينية من حج وصلاة ومساجد (بيت الله الحرام).
 

إن لسان حال هؤلاء الشباب: أن نموت في البحر فيأكلنا الحوت خير من أن نموت في أوطاننا فيأكلنا الدود

قد يجد الإنسان نفسه في حالة صعبة في وطنه ويحس بالضياع والبؤس فيفكر في ترك وطنه لما يعيشه من ظلم وجورواستبداد فإن النفوس الطيبة الزكية العزيزة تأبى الظلم وتبغضه، فتفضل تجرع المرارة بعزة وتأبى الحياة إذا كانت بذلة كما قال عنترة بن شداد: لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل.

وهذا ما يدفع بكثير من الشباب لركوب قوارب الموت متجهين نحوالسعادة المنشودة، تلك القوارب التي تفوح موتا إذ تلطمه الأمواج العالية فتقاومه كما يقاوم الطفل الرجل الشديد، تلك القوارب التي ما ركبوها حتى دفعوا أمولا لم يجمعوها حتى تفطرت أقدامهم سنينا واعوجت ظهورهم أعواما، جمعوها ليدفعوا ثمن مقعد نحو السعادة سالكين طريق الموت يشقونه شقا.

ينطلقون وكلهم أمل بحياة أفضل وعيشة أجمل ويصبرون من أجل ذلك على الألم والمرض والبرد والجوع والعطش، كل هذا أمر يخوف ويدعوا للتردد ولكن هم لا تردد ولا خوف فقد تجرعوا أكثر من ذلك تجرعوا ظلم واستبداد الأشرار ونفاق ومكر الثعالب البشرية الفجار، ينطلقون ولسان حالهم يقول: أن نموت في البحر فيأكلنا الحوت خير من أن نموت في أوطاننا فيأكلنا الدود، كلام لا يخرج إلا من فم شخص بئيس يدل على يأس وقنوط ليس له مثيل.

  يبدأ الإختبارالحقيقي عند الوصول إلى عرض البحر حيث يزداد البحرهيبة وشدة وتزداد الأمواج إرتفاعا وقوة وتزداد المخاطر من برد وجوع وعطش هنا تبدأ الأعصاب تنهار والقوة تضعف، ولكن لا التفات للوراء، وهنا قليل من يصبر ويتحمل فيموت من يموت ويلقى به البحر لكي لا يزيد ثقله وحمله، وتتواصل الرحلة نحو السعادة المنشودة، ولكن سرعان ما تتحول هذه السعادة المنشودة إلى سعادة مفقودة فبعد الوصول إلى الوطن الغريب والأرض المجهولة تبدأ رحلة الفرار والإختباء في الدهاليز والكهوف خوفا من الشرطة والأمن، وتبدأ حياة لا تختلف عن الأولى فلا عمل ولا وطن ولا مال ولا كرامة بل عنصرية وذل وظلم وسجن قد ينتهي بالترحيل فيذهب كل هذا التعب هباء منثورا.

على الحكام أن يعرفوا حقيقة المسؤولية التي على عاتقهم، فهؤلاء الشباب أمانة في أعناقهم، وليتذكروا تلك الوعود والعهود التي قدموها لشعوبهم

 هكذا هي القصة الحزينة لهؤلاء الشباب الذي عاشوا في بلاد تعاني فيها المعاناة فاختارأن يسلك طريقا نحوالأفضل ولكن أي طريق هو، نعم هي قصة محزنة ولكن الأحزن والأدهى والأمر لما ترى الدول الأوروبية تعقد الندوات والإجتماعات والمؤتمرات لإيجاد الحلول لهذه الأزمة في وقت تجد حكام البلدان الأصلية لا تبالي أصلا بأبناء شعبها، وهمهم الوحيد لعب دور الملوك والزعماء وكأن التاريخ لم يعرف مثلهم كما هو حال ملوك إفريقيا ممن يتخيرون أفضل المساكن المطلية بالذهب والملابس الفاخرة وشعبهم يموت جوعا وعطشا في الصحاري والبحار بحثا عن العيش الهنيء.

  لقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة عن الحكم الراشد وتفقد الرعية والحفاظ على سلامتها، فها هو أميرالمؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان ينام تحت الشجر ولم يكن له قصر ولا ملابس بها يتفاخر بل كان عادلا حكيما حليما كان يتفقد رعيته ويسألهم عن أحوالهم وشؤونهم فيعطي لكل ذي حق حقه، وها هو عمر ابن عبد العزيز رحمه الله يرفض مركب وسكن الخلافة ويبقى على ما هو عليه قبل الحكم وهذا من ورعه وزهده، وها هو المعتصم يجيش الجيوش من أجل امرأة مظلومة صرخت له وامعتصماه فنهض من السرير وهو يقول لبيك لبيك.

يجب على الحكام أن يعرفوا حقيقة المسؤولية التي على عاتقهم، فهؤلاء الشباب أمانة في أعناقهم وليتذكروا تلك الوعود والعهود التي قدموها لشعوبهم، والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.