شعار قسم مدونات

الصحافة المتأنية.. تعميق المحتوى في زمن السرعة

blogs - journalist
 

ثمة تغييرات كثيرة وكبيرة في الممارسة الصحفية في الوقت الراهن، أحدثتها التطورات التكنولوجية وبروز وسائل التواصل الاجتماعي، ولعل أبرز مظاهر هذه التغيرات ما نشهده اليوم من أساليب جديدة في مجال إنتاج وعرض المحتوى في أوساط الصحافة المحترفة أو التقليدية، وفي السطور التالية نقف على جانب يتم التركيز عليه كثيرا في مؤسسات الصحافة التقليدية هذه الأيام، وهو ما يعرف بالصحافة المتأنية.

تعتمد مدرسة الصحافة المتأنية على مبدأ تقديم قيم الدقة والمصداقية والشمول على السبق

الصحافة المتأنية مصطلح جديد في عالم المهنة، ويبدو أنه صادر من بين العديد من النقاشات التي تدور حول حال مهنة الصحافة ومآلها في ظل ما يعرف بالعصر الرقمي، الذي شهد ما يمكن تسميته التخلي عن كثير من قواعد العمل الصحفي ومحدداته المهنية وموجباته الأخلاقية، من أجل السرعة، أي سرعة نشر الأخبار في سياق التنافس بين وسائل الإعلام وبعضها البعض، أو بين هذه الوسائل ووسائط التواصل الاجتماعي.

في ظل العصر الرقمي الذي شهد بروز وسائل التواصل وإمكانياتها الهائلة في نقل الأخبار ومشاركتها، أصبحت السرعة في نشر الأخبار تمثل هاجسا للعديد من المؤسسات الصحفية التقليدية التي وفي سبيل السباق مع تويتر وفيسبوك وأخواتهما من وسائل التواصل، أصبحت تتنازل عن العديد من الشروط المتعارف عليها في ما يتصل بالدقة والتحقق من صدقية المعلومة.

وتعتمد هذه المدرسة الجديدة من الصحافة -إذا جاز لنا تسميتها بذلك- على مبدأ (We value being right above being first)، أي تقديم قيم الدقة والمصداقية والشمول على السبق، وتبرر ذلك بأن التأني يعطي فرصة لمزيد من التجويد، ويشبع احتياجات مستهلك المحتوى الإعلامي.

وتلجأ هذه المدرسة إلى القيم التي ينتظر أن تلتزم بها مهنة الصحافة، والتي يجب أن تراعي إلى جانب السرعة والدقة مسائل السياق والتحليل وآراء الخبراء.

ويقول المتحمسون لهذا التوجه إنه وفي الوقت الذي تلجأ فيه العديد من المؤسسات الصحفية إلى تقليل أعداد العاملين لديها عبر خفض الميزانيات الخاصة بالتحرير والتوجه لسد النقص عبر الاعتماد على ما يبث عبر الوكالات، فإنهم ينحون منحى آخر مخالف لذلك التوجه، ويعتمد في الأساس على توظيف الميزانيات المرصودة للتحرير لتقديم إنتاج صحفي حقيقي ومتميز، وصولا إلى إشباع الرغبة الحقيقية للقارئ في الحصول على معرفة حقيقية.

في الصحافة المتأنية من حق متابع القصة أن يعرف نتيجتها وصورتها الكاملة دون نقصان

وتركز هذه المدرسة على جانب آخر على درجة من الأهمية، ألا وهو توضيح النهايات والنتائج المنطقية للقصص الإخبارية، ففي ظل سيادة مبدأ السرعة في العمل الصحفي يظل القراء ولأيام يتابعون قصة إخبارية معينة، وبمجرد ظهور قصة جديدة يتحول اهتمام وسيلة الإعلام المعنية إليها، تاركة متابعي القصة الأولى في حيرة وارتباك وحاجة حقيقية لمعرفة نهاياتها.
 

أما الصحافة المتأنية فترى أن من حق متابع القصة الأولى أن يعرف نتيجتها وصورتها الكاملة دون نقصان، ولذلك فهي ترى أن تهتم المؤسسات الصحفية بهذا الجانب وذلك من خلال تقديم إنتاج صحفي يهتم بالعمق.
المصدر
 

وينقل الصحفي الأميركي جون أوزنزس نصيحة في شأن التأني في العمل الصحفي سمعها من زميله الحائز على عدد من جوائز البولتزر بول سالوبيك تقول "إن كنت تود السفر بواسطة امتطاء بغل فيجب أن تعطي نفسك المزيد من الوقت للتعرف على كيفية التعامل معه، لأن ركوب البغل أكثر صعوبة من السفر بالطائرة".
المصدر: مجلة نيويوركر

وفي ما يلي بعض النماذج التي توضح ما أشرنا إليه أعلاه:

ومن النماذج الخاصة بالصحافة المتأنية نموذج مجلة تايم الأميركية في تغطيتها حادث إطلاق النار في مدينة سان بيرناردينو بولاية كاليفورنيا تحت عنوان: ما يجب أن تعرفه عن إطلاق النار في سان بيرناردينو؟ كما في هذا الرابط 

وقد استهلت المجلة الموضوع بمقدمة مكثفة عن الحدث في نحو ثلاثين كلمة وأرفقتها برابط للخبر الأول للحدث، وبعد المقدمة جاء عنوان: ماذا حدث؟ ثم تفصيل له عن الحادث، وكيف وقع في نحو أربع فقرات، وبعدها اقرأ أيضا، وكانت عن الخبر الأول أيضا.

ثم تلا ذلك عنوان آخر: أين وقع إطلاق النار؟ وجاءت الإجابة عنه في نحو ثلاث فقرات، ثم اقرأ أيضا، وكانت عن المركز الذي وقع فيه الحادث. ثم أعقب ذلك عنوان آخر: كم عدد الضحايا؟ وكانت الإجابة نقلا عن إفادات الشرطة، ثم إحالة إلى فيديو يقرأ فيه رجل رسالة وصلته من بنته التي كانت من بين حضور الحفل الذي استهدفه مطلقو النار.

من النماذج العربية للصحافة المتأنية ما ننشره في الجزيرة نت من تغطيات خاصة كتغطية معركة فك الحصار عن حلب

وبعد هذا العنوان عنوان آخر: من الفاعل؟ ثم نص مفصل عنهم، ثم عنوان تالي: ما الدافع وراء الحادث؟ ثم تفصيل عن ذلك، ثم الختام بعنوان: ردود أفعال الرموز السياسية على الحادث؟ وبعد تفصيل ذلك اقرأ أيضا، وخصصت لتصريحات أوباما عن حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة الأميركية التي لا يوجد لها مثيل آخر في العالم.

وأحدث هذه النماذج ما نشرته نيويورك تايمز مؤخرا في مجلتها الأسبوعية عن تضعضع العالم العربي منذ غزو العراق وحتى بروز تنظيم الدولة الإسلامية في هذا الرابط

ومن النماذج العربية ما ننشره في الجزيرة نت من تغطيات خاصة مثل: حلب.. معركة فك الحصار، على هذا الرابط

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.