أنا أسكن الغربة

blog طوارق
"إيميدون وين آكالين، نك أزغاغ الغربة"..

رفاق بلادي، أنا أسكن الغربة. هذا هو مطلع أغنية لفنان الطوارق إبراهيم أغ الحبيب، يُغرد فيها بلسان وأغنية الطوارق رحلة الضياع ومأساة الغربة وجحيم الاغتراب عن الوطن والأهل والإنسان، التي يكاد أبناء الشعوب المُهجّرة عن وطنها يتفقون عليها. 

قد يكون من الحظ أني أحد المولودين في الغربة، فقد أكسبني ذلك فرصة الولوج للتعليم المنعدم في صحراء أزواد بفعل القرار السياسي لنظام حكم مالي المسيطر على مناطقنا طيلة خمسة عقود لا توصف إلا بالحرمان!

وهو ما يمكنني من التواصل خلال هذه النافذة كأحد أبناء أزواد لتقديم محاولة جادة وإجابة عن أسئلة وموضوعات متوالية، أسعى من خلالها لتقديم الأزواديين بتوثيق خلفياتهم الفكرية والقومية التي ينطلقون منها كدعامة لمواقفهم التحررية والانفصالية وما اكتنفها من غموض.

كأي طفل أزوادي في تلك المرحلة..
عشنا طفولتنا متسائلين.. من نحن ومن نكون؟
ففي كل موطن نلجأ إليه.. نذوب لنردد نشيدًا وطنيًّا ما، ونظل نسأل ما الوطن وأين الوطن؟ 
لم تخلُ طفولتنا من أسئلة بريئة تبدو يسيرة.. في حين يصعب الإجابة عنها، وبقيت تلك الأسئلة ترافقنا.. وتظل!.. أسئلة نكاد لا نختلف فيها، ترتحل بنا عبر الصحراء الكبرى متسائلين حول الهوية والوطن والغربة.

لا تكاد تجد مرجعًا متكاملاً يجيب عن واقع الأزواديين، سوى كتب نادرة كتبها محبون للطوارق أو ما خلفه ضباط فرنسيون كمذكرات شخصية

إنها ذات الأسئلة التي قادت إجاباتها المتسائلين من أبناء أرض أزواد إلى المزيد من الأسئلة حول الهوية والجغرافيا والتاريخ والسياسة والسيادة.. وقادت أمة "الطوارق الرُّحَّل الملثمين" بمراحلهم الحديثة إلى حمل السلاح مجبرين بعد نفاد الإجابات المنطقية، وفي محاولة واضحة لإنهاء هذا الاغتراب والحصار المفروض على أمة لم يكن لها حظ من الحياة سوى الموت البطيء والقهر بفعل التشريد والإبادة كواقع معيش لا بديل عنه. 

بهذا الوصف أختصر تمامًا حالة ما يُرى بأنه صراع متكرر، وما هو ثورة شعبية متتالية تأتي كتعبير من شعب أزواد لإثبات وجوده فوق أرضه، وحقه في المعرفة وحق التعارف في أن يتعرف الآخرون عليهم كأزواديين على أرضهم، وتعبيرًا عن حقه في تقرير مصيره وسيادته على نفسه.

لأجل ذلك كله نجد شعب أزواد منذ مقاومته للاستعمار الفرنسي وتوريثه لسيطرة حكومات باماكو، خاض ملحمة من الصراع الثقافي والسياسي العسكري، التي تعددت فصوله وأبعاده وزادت من معاناتهم وحملت لهم الكثير من الانكسارات والصعوبات.

اليوم، مع كل التداخلات فإن هاجس خوض البحث عن إجابات حقيقية لتلك الأسئلة "الطفولية"، لا يقل معاناة عن واقع الأزواديين!
فلا تكاد تجد مرجعًا متكاملاً يجيب عن واقع الأزواديين، سوى كتب نادرة كتبها محبون للطوارق أو ما خلفه ضباط فرنسيون كمذكرات شخصية.

فيصعب على الباحث العثور على المعلومة الحقيقية والمنصفة وأيضا تمييزها، في ظل خلط وتكرار متعمد لمعلومات محددة تتحدث دائمًا حول بعض الظواهر مثل الإرهاب أو التهريب.. أو تبرز وفق سياقات لا تستجيب لفهم حقيقة القضية والمعاناة.. ففي غالب تلك الأطروحات والكتابات فهي منحازة إلى مواقف الحكومات والأحزاب الحاكمة إن لم تكن مدعومة منها.

ضمن ذلك تدخل كثير من التقارير الدولية والإقليمية التي تعدها كبرى المنظمات والمراكز البحثية التي تنشط في متابعة القضية، فهي لا تخلو من تجاهل حول أصل مستجدات الأوضاع في المنطقة، ويظهر أنها غير جادة للاستجابة لواقع المنطقة، وأنها بعيدة أشد البعد عن ترجمة حظوظ شعب أزواد في نيل حريته واستقلاله.. وقد يُفهم ذلك من سيطرة بيروقراطية على تلك المنظمات والمراكز التي عبر أحد كتابها "نحن نكتب ما يود رؤوسنا سماعه وليس ما علينا أن نكتبه".

من العوامل المؤثرة في غياب المعلومة الحقيقية وغياب أي ذكر لقضية أزواد أن الأزواديين أنفسهم لم يكتبوا كتابات مستفيضة حول قضيتهم سوى نزر يسير من المقالات والمؤلفات التي جاءت على استحياء، وسبب ذلك هو انعدام وسائل التثقيف في منطقتنا المهمشة أساسًا والتي تفتقد لسبل الحياة الأولية، وانعدام وسائل التحرير والكتابة الصحفية التي جعلت قضيتهم لقمة سائغة لدى محترفي الصحافة ومصدر رزق تتمايز مواقفهم في تقديم وتسليط الضوء عليه.

ومن حكم التخصص والمتابعة نجد أنه مع مستجدات الأوضاع السياسية والاجتماعية في منطقة الصحراء الكبرى منذ 2011 وبالتحديد ما عرف عالميا بـ"قضية مالي" و"قضايا الساحل"، فقد أغفلت الصحافة العربية نقل مستجدات ما حدث في أزواد ومتابعته بما فيه المتابعة الإخبارية، واكتفت الوكالات العربية الكبرى بمجرد النقل من وكالات الأنباء العالمية.. دون أي تدقيق ومراجعة لخلفية هذه الأخبار وتوجهاتها.

ظلت قضية شعب أزواد غائبة عن قراءتها الصحيحة باعتبارها مسألة شعب يريد العيش بحرية واستقلال وكرامة في أرضه

وذلك أرسى خلفية موحدة في الذهنية الإخبارية لكون الوكالة المسيطرة في المنطقة هي "الوكالة الفرنسية" التي لا تحظى بالإنصاف والحيادية في تعاملها مع قضية أزواد ومسائل الطوارق، وأيضًا للصحافة الجزائرية دور مشبوه آخر في توصيف القضية يصل إلى التزييف والتوظيف لاعتبارات سياسية وإقليمية.

وعلى العموم فقد أدى الاتجاهان القومي العربي والاتجاه الإسلامي الذي ساد لدى معظم رواد الفكر والسياسة من العرب إلى تجاهل هذه القضية والبحث المعمق حولها، باعتبار أنها قضية لمكون غير عربي، ولعدم وجود حركات سياسية أزوادية تتصل بفكر تنظيماتهم، إضافة لمواقفهما المسبّقة من فكرة الانفصال.

هذا الخطأ أدّى لتسيد مواقف حكومية، في ترك الحل السياسي لهذه القضية بعيدًا عن رأي معلن للدول العربية التي كانت مجرد تابع للسياسية الفرنسية وضخ الأموال المعلنة والطائلة لدعم برامج فرنسا في المنطقة دون سياسة عربية واضحة تترجم الإرادة العربية أو تستوضح الدوافع العربية من هذا الدعم لصالح قضايا شعوب المنطقة. 

إضافة لظهور الجماعات الجهادية أو القاعدية التي استُخدمت محاربتها ذريعة لتدخل وعودة فرنسا المباشر إلى مناطقنا بعد 60 سنة من مفارقتها، وكان ذلك مع حملة دعائية هو الذي سلط الضوء على المنطقة.. وليس معاناة سكانها وشعوبها وجرائم حكومات مالي ضد الأزواديين، وتم تحجيم المأساة الإنسانية والثقافية والفكرية في تصرفات هذه الجماعات -التي لم يدم حكمها أكثر من مائة يوم- مع الاتهام المتكرر بتواطؤ الأزواديين معهم.

في كل ذلك، ظلت قضية شعب أزواد غائبة عن قراءتها الصحيحة باعتبارها مسألة شعب يريد العيش بحرية واستقلال وكرامة في أرضه، وتدويلها بمسائل الأمن والإرهاب هو ما جعل مأساة الشعب الأزوادي في الداخل والملاجئ متضاعفة، بحكم غياب الدعم الإنساني والحصار العسكري المفروض.

وما حدث من فرض حل سياسي تورط فيه الممثلون الأزواديون باسم "اتفاق سلام" لم يطبق حتى اللحظة.. ولم يخلُ من تجاذبات إقليمية واضحة وضمان للمصالح الدولية في ثروات المنطقة باسم التنمية.

في حين أن "اتفاق الجزائر" يستثني بشكل تام حتى مجرد اعتراف بشعب أزواد، كيف يكفل حقه في تقرير مصيره؟! بينما يضمن عودة نهائية لجيش مالي المتورط في إبادة شعب أزواد وشرعية حكومته بحماية قوات فرنسية وإفريقية وأممية توجد منذ أكثر من عامين.

الراحل القائد إبراهيم أغ باهنقا أحد أهم قادة طوارق أزواد في لقاء مع الجزيرة قبل 5 أعوام، سئل عن الصعود إلى الجبل أي خيار المقاومة، فأجاب: "بالطبع، الصعود إلى الجبل مر، ولكن الأكثر منه مرارة هو العنصرية والإهانة والشعور بالخذلان في الكفاح من أجل الحقوق، كأن يقول لك أي شخص إنه ليس لك حقوق في أرضك.. هذا أكثر مرارة".