نرجوك تفلسف

blogs - light

لماذا لا نريد أن نقتنع أن ما نعانيه حقيقةً هو تشوه في أفكارنا؟ أو إن شئت قل هو أول ما نعانيه والأجدر بالالتفات إليه. قال شوقي:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم … فأقم عليهم مأتمًا وعويلا

لكنه لم يخبرنا ماذا نصنع إذا أصيبوا في أفكارهم، ففسد ما كان صالحًا منها، أوأصيبوا في عقولهم فاعوج ما كان مستقيمًا منها.
 

إن فكرنا أصبح مهترئًا ومهلهلًا، لا يقوى على كبح جماح الأهواء الطائشة، ولا يحدث توازنًا في النفوس المضطربة، نحن نرى الشباب تتخطفهم أتفه الدعاوى وأردى المسالك، ويقتنعون بأضعف الحجج، ويسمعون لكل ناعق.

إذا رأينا إنسانًا جالسًا يُفكر قالنا له: لا تُضِعْ وقتك واعمل شيئًا مفيدًا، فتَعلُقنا بالمادي والمحسوس والسريع والمباشر صار سائدًا

نراهم ونرى ما يتبعون، ونعرفهم ونعرف كيف يضلون، ثم نبحث عن الهُدى في مكان آخر، حالنا كحال رجلٍ كان يبحث في السوق عن دراهم له ضائعة، فقال له صاحبه: قل لي أين أضعتها لعلي أبحث معك، فقال الرجل: أضعتها في البيت، فقال الصاحب مستغربًا: إذن فلماذا تبحث عنها في السوق؟، قال الرجل: لأن البيت ليس مُضاءً.
 

كل ما يقوم به الإنسان ينطلق من شيءٍ ما في رأسه، فالفكرة المحركة إما أنها نابعة من هناك أوانتقلت واستوطنت فيه كبيئة قابلة، لذلك سواء كانت هذه الفكرة خفية أوظاهرة، فاسدة أوصالحة، مُحْكمة أوهزيلة، بسيطة أومركبة، لابد لكي نتعامل معها بكفاءة واقتدار أن نكشف عنها، ونقيس قوتها، ونلمس تعقيدها، ونحكم عليها، ثم ندعمها إذا وافقناها، أونهذبها إذا أخذنا عليها، أونكملها إذا انتقصناها، أوندحضها إذا خالفناها، أما أن نترك الأفكار أيًا كانت تتلاعب بنا، وتنتهبنا، وتهدر طاقاتنا، وتعبث بمصائرنا، دون أن نعرفها أونمحصها أونقييمها، فهذا مما لا عقل فيه.
 

إننا نزدري الحديث في عالم الأفكار كما نزدري المهمل والساقط، وننتقص كثيرًا من فعالية هذا المجال في إحداث أي تغير يُذكر، ونستبطئُ العلاج الذي يأتي به إذا رأينا فيه علاجًا، وبعضنا يراه محض ترفٍ وعطالة، فلو رأينا إنسانًا جالسًا يُفكر قالنا له : لا تُضِعْ وقتك واعمل شيئًا مفيدًا، فتَعلُقنا بالمادي والمحسوس والسريع والمباشر صار سائدًا، وأصبحنا لا نعترف بغير هذه الثقافة، فإذا أتتنا أزمة من خارج هذا الإطار الضيق تُهنا عن الحل واضطربنا.
 

ما زلنا إذا سمعنا رجلًا يتكلم بلغة العقل أو يجتهد في صياغة فكرة، أو يحاول الرد على أخرى قلنا له: إذا سمحت لا تتفلسف

ومن العجب أننا نريد أن نلغي أثر الفكرة السيئة ولا نهتم بإلغاء الفكرة نفسها، ونحرص على الاستفادة من ثمرة الفكرة الحسنة ولا نكترث بسقي جذرها وتقويم عودها، نحن ننساق رغمًا عنا في تيارات لا نرتضيها لأننا لم نبذل الجهد الفكري اللازم لمواجهتها، بل لم ننتج الأفكار التي تملؤ فراغ عقولنا فملأها لنا غيرنا، وبتنا في صراع لا حصن لنا فيه ولا سلاح.
 

لقد فطن العالم إلى أن الفكرة هي أول الأمر ونتيجتها منتهاه، فجمع عقول أبنائه النيرة، مدعمة بنفوس متزنة، وأعد الأسباب اللازمة، ثم أغرقنا بأفكار في كل مجال فيها الغث والسمين، ولكن أقلها يعود عليه بمنافع مجزية، ونحن ما زلنا إذا سمعنا رجلًا يتكلم بلغة العقل، أو يجتهد في صياغة فكرة، أو يحاول الرد على أخرى قلنا له: إذا سمحت لا تتفلسف، فهل لا قلنا لذلك المجتهد الصابر: نرجوك تفلسف.