شعار قسم مدونات

درويش والرمزية

blogs - Darwish
أهديته في ذكرى رحيله الثامنة هذه الكلمات:

"ستة أقلام للريح: الأول للحرف والثاني للزمن والثالث للمكان والرابع للغياب والخامس لأحدهم والأخير للمطر، ووردة".
 

بالمناسبة، هذه كلمات عاطفية في حدود السياق، قد تقترب من الموضوعية بعض الشيء.
 

لقد كان عازفاً عبقرياً لكل آلات الرمزية القديمة والمستحدثة على يده، لم يترك شيئاً -وإن كان باهتاً- إلا وأضاف له الحبر الشِّعْري الممزوج بدم البذل والحرية، فصار السياج عنده حكاية، والبرتقال قمرا، والبحر زجاجا، والوقت قصيدة، والباب زمنا، والخوف سفرا، ومنها على وجه خاص لا القصر: "نحن أحجار التماثيل وأخشاب المقاعد والشفاه المطفأة".
"كان الزمان واقفاً كالنهر في جثته".
 

تطور استخدام الرمزية على مدى العصور المختلفة واتصال الشرق بالغرب، خاصة شعراء لبنان، حتى وصل لما نحن عليه في العصر الحديث

"أنا ضائع فيك بين المراثي وبين الملاحم، بين شمسي وبين الدم المستباح، جئت عينيك حين تجمد ظلي". 
 

لم يكن أبداً ليوصل ما يريد إلا في طرد كبير من اللغة المحفوفة بعلامات الاستفهام و التعجب، كان يعلم أن البريق مهم، وأن الغموض جاذب، والإيحاء هو الأذكى، والمفاجأة هي العنصر الأهم.
 

اعتمد رجل الكلمة "محمود درويش" استخدام الرمز بقوة في شعره وقصائده على مدى واسع وبذكاء كبير وبقدرة هائلة تجعلك تصرخ نشوة: "الله"! بعد كل شطر من كلماته، فيقول: "لأنني أحبك يجرحني الماء، والطرقات إلى البحر تجرحني". ويقول في موضع آخر "بحارة حولي، ولا ميناء، أفرغني الهباء من الإشارة والعبارة".

لو لم أعرف هذا "الدرويش" ما عرفت الحياة، وما وراءها، وما أمامها وما بين ثناياها، فله سلام ووردة.
 

الرمز ليس حكاية "الدرويش" وحده، فلكل حكاية تتشابه في كونها حكاية، وتختلف في أصلها وتفاصيلها ووقعها على الآخر إن وقعت، الرمزية في الكلام قديمة عرفها الشرق والغرب، وكان لكل منهما مساره فيها وتوصيفه لها ومناسبة استخدامها في القول والوصف.
 

تطور استخدام الرمزية على مدى العصور المختلفة واتصال الشرق بالغرب، خاصة شعراء لبنان، حتى وصل لما نحن عليه في العصر الحديث مما يستخدمه الأدباء والمفكرون في الوصف سواء في شعر أو نثر، لقصر الجمل وإيصال المعنى بطرق مختلفة، وربما لصنع درب من الخيال ووضع القارئ عليه لتحفيز فكره وجذب انتباهه وإيصاله للعمق ، بعيداً عما آلت له الحياة من سطحية وتفاهة.
 

ربما يكون الأمر معقداً للبعض منا، ومن الصعب الوصول إليه سريعاً، لكنه لا شيء يصل سريعاً إلا ذهب سريعاً، لم يترك أدباؤنا المحدثون طريقا للرمزية إلا سلكوه، كأنه السحر، يجذبهم، فيجربونه فلا يتركونه، فينشرونه بين الناس فيخطف الناس ولا يعودن منه بعد ذلك.
 

الرمز في اللغة هو الإشارة، فرمز للشيء أي أشار إليه، والإشارة تشمل أي صورة سواء بالكلام غير المباشر أو بالعين أو باليد، وما يخص قولنا هنا هو الإشارة بالكلام غير المباشر أو الإيحاء، بينما يضم القول المرموز في الشعر والنثر على اختلاف الغاية والوسيلة، كما يقول الشاعر اللبناني سعيد عقل -وهو من رواد مدرسة الرمزية- إن الشعر يجب ألا يُخبر، بل يوحي ويلمّح، وأنه الإدراك اللامنطقي والحدسي للعالم.
 

مدرسة الرمزية كانت فتحاً كبيراً في استخدام الألفاظ بِحُرية بما يحفظ ثقلها ويؤدي معناها في سياق مُلفت للنظر

ومنها، فإن الرمزية من الحركات الموجهة لطبقة بعينها في مجتمع القراء، أولئك الذين يبحثون عن أسباب الأسباب، وعن ثقل المعنى والالتفاف حول جذوره، والاندماج في بحور الغموض الآثر. وكما وضح أيضا محمود درويش ذلك حين قال إن اختلاف الطرفين، الشاعر والمتلقي، هو في حقيقته إتلاف، ولكنه إتلاف يقتضى من المتلقي أن يكون خلاقاً هو أيضاً.
 

وكان لا بد أن تنتقل الرمزية لتشمل أسماء الروايات والقصائد والدواوين في محاولة لجذب القارئ وإضافة الجمال على كل الكل، وقد استخدم الرمزية بقوة وبحسن تمثيل الكثير من الأدباء والشعراء كمطران، وجبران، والسياب، ونازك الملائكة، وأمل دنقل، وأحمد بخيت، وسوزان عليوان، وطاغور،  وأدونيس، وأحمد مطر " وغيرهم .
 

وعليه فإن مدرسة الرمزية كانت فتحاً كبيراً في استخدام الألفاظ بِحُرية بما يحفظ ثقلها ويؤدي معناها في سياق مُلفت للنظر، وقد انضم لها العديد من الأدباء لكسبها كنجمة على صدور كلماتهم ، وتعلقاً منهم بقدر من الخيال المباح بعيداً عن سطحية الواقع ووضوحه غير المُكلِف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.