التدوينة الأولى

يكاد عقد من الزمان أن يكتمل مُذ كتبت التدوينة الأولى، جموح صافٍ وجذوة مستعرة، مشاعر فائرة وأفكار غضة، نقمة على الحياة التي تنتظرنا من قبل أن ندخلها.
 

لم أكن وحدي، كنا جميعا مدهوشين إلى عالم المدونات الجديد، علينا أن نجرب الأحرف على لوحة المفاتيح

حنق من الزمان والمكان، من زمان لم نختره، واختار لنا هو أن نولد فيه أقزاما في هذا العالم وقد مرّ على آخرين وهم عمالقة، ومكان ربما أردناه ولم يردنا، أحببناه وضاق علينا حتى كادت أرواحنا فيه أن تهلك، لم أكن وحدي، كنا جميعا مدهوشين إلى عالم المدونات الجديد، علينا أن نجرب الأحرف على لوحة المفاتيح، نطرق بأصابعنا على المايكرفون ونتساءل: هل يسمعنا أحد في هذا العالم.
 

الحركة
لم يكن الغضب والنقمة إلا مراجل للحركة، لم يكن أمامنا إلا أن نتحرك، في دوائر ربما مرسومة وموسومة سلفا، تنظيمات.. تيارات.. أفكار.. أيديولوجيات، كلها رأت فينا حطبا ذا جودة عالية، مصتنا مصا، أخذت من أرواحنا وأيامنا لتستكمل نسجها حسنه ورديئه.
 

لم تكن -الحركات- هي الملومة، كنا نريد أن نتحرك، نتعلم، نبحر ولا نملك الشراع ولا الدفة، لكن ضربات الموج هي التي أنبتت على أذرعنا الغضة عروق القوة، هي التي أهدتنا الفهم الذي لم نجده في سطور الكتب البراقة التي تتحدث عن الأحلام والأوهام العظيمة.
 

أفكارنا ومشاعرنا.. كل شىء فينا كان يتحرك لأقل داعٍ وأهون ريح، كلمة في كتاب أو نظرة من فتاة، قائد مفوه أو عظة بليغة، ربما وكل شىء أيضا كنا نريده بقوة وثبات حتى النهاية، نتحرك نعم ولكن في مسار ربما واحد، فكل شيء -مرة أخرى- لم يدخل بعد أي اختبار حقيقي، الأفكار ادعاءات وشعارات، والمشاعر رؤى وأحلام.
 

الربيع
الحركة أتت بالربيع، التدوينة الأولى التي كُتبت كانت نقطة في بحر كلمات هنا وهناك فضحت الأنظمة، كشفت التعذيب في الأقبية، واجهت المجتمع، كسرت الخوف، دعت للاحتجاجات والإضرابات، هتفت وركضت وضُربت، ولما أصابتها شذرات نيران البوعزيزي خُلقت خلقا آخر.
 

فكت قيودنا، وقيل لنا انطلقوا، ثم نصبت الأفخاخ، فرادى أو جماعات رأينا أنفسنا نهوي ثم نقوم ثم نهوي

أورقت.. فأرقت كل الأشجار العجوزة اليابسة، تلك التي تطلي نفسها كل ربيع بدهان أخضر زائف، أرقها أن الأغصان الغضة أورقت من جديد فكشفت زيف طلائها، وبدأت رحلة عاصفة في كل مكان أقلنا، حل به الربيع حلولا، أو حام حوله حوما.
 

ربيعنا لم يصب فقط الأفكار التي أصبحت واقعا مختبرا، لكنها أيضا أصابت المشاعر والقلوب، وبعد أن كان حديث الثورة والحب تمنيا وتخرصا، صار حقيقة نقلبها بين أيدينا وتقلبنا، فُكت قيودنا، وقيل لنا انطلقوا، ثم نصبت الأفخاخ، فرادى أو جماعات رأينا أنفسنا نهوي ثم نقوم ثم نهوي، ثم يهوي منا من لا يقوم أبدا.
 

ثورة ثم انقلاب.. انقلاب ثم ثورة.. نصر ثم انهزام إصابة واعتقال أو هرب واغتراب، حب ثم هجر أو زواج ثم طلاق، إيمان ثم تيه، حجاب ثم سفور، سجن ثم حرية أو شك ثم يقين؛ أخذنا الضربات تترى، مُفردين في بحر هائج يعاقبنا على أننا غرنا منه السكون، يعاقبنا على أننا لم نحكم سفينتنا وخلنا أن بيننا وبين اليابسة لا أكثر من إبحار يوم!
 

المنصات
أحرقت موجات الصيف اللاهبة التي أتت بعد الربيع ما بأيدينا، لكنها لم تصب مما في قلوبنا وعقولنا شيئا يذكر، وفي هذا الصيف الطويل كان علينا أن نستظل من سعيره وننتظر دورة الزمان مرة أخرى. اليوم كل حركة ذهب جلها مع اختبار الأيام، ذهبت أشكالها وهياكلها وبقيت تلك الروح التي بدأنا بها، اليوم أنبتت في كل واد زرعا ضعيفا ربما سيكبر مع الأيام.
 

صارت الأفكار تجمعات صغيرة، مؤسسات تجارية وشركات إنتاج ومواقع إلكترونية ودور نشر ومكتبات وقنوات فضائية وفرق ثقافية وسياحية ودعوية ونماذج محاكاة وأنشطة جامعية ومدارس شرعية ومبادرات مجتمعية وجهات حقوقية وجمعيات خيرية تطوعية وفيالق مسلحة، وصارت المشاعر علاقات وأفراحا وبيوتا صغيرة وأطفالا وتربية حديثة وتعليما منزليا ورحلات أسرية مجمعة.
 

صارت كل هذه المنصات التي تطلق سهاما قصيرة ربما لا تؤثر بالعين المجردة في جسد ذلك العملاق الذي جثم علينا وحطم ما في أيدينا، لكنها أصبحت أعصى من أن تُهدم أو تُكسر، في كل يوم تزداد ونرى أثرها وأثر الرمي منها مداه يطول.
 

خط النار

اليوم نحن أقل عددا، صحيح.. لكن أرسخ قدما

لم تعد الكلمات كتدوينتي الأولى مجرد أمنيات أو خيالات، استفتحنا أبواب الحياة فأتتنا بكل ما لم يدر لنا بخلد، الحركة والكلمة الآن على خط النار موضوعتان، الكاتب والإعلامي والمقاتل والشاعر والسياسي والشيخ والحقوقي والمعلم.. كلنا على خط النار.
 

كلٌ تحت مظلته أو منصته يقف دونها ثغرا من الثغور، خيوطٌ ربما بعيدة عن بعضها البعض لكنها تغزل غزلا جديدا فريدا سيجتمع يوما ما، سيلتئم فيختنق الخريف مرة أخرى، مرة أخيرة ربما، أو ربما كما كان وسيظل يعود ويكر ثم يفر.
 

لا يهم، المهم أننا سنظل على خط النار نثبت أو ننحاز لفئة أو نراوغ أو نتقدم، ستظل كل الساحات ملتهبة، ستظل كل حدود دائرتهم تؤرقهم، ستظل تضيق يوما بعد يوم.. شبرا بعد شبر.
 

اليوم نحن أقل عددا، صحيح.. لكن أرسخ قدما، والكلمات التي نثرناها في تدويناتنا الأولى منذ عشر سنين أصبحت أكبر أثرا وأرشد هدفا، لم يزدها الرصاص إلا بأسا، ولا القيود إلا رسوخا، هذا قرباننا وذاك قربانكم، وإنا وإياكم لمنتظرون، أينا تأكل النار قربانه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الارتباطُ مع صحيفة كعقد قرانٍ مع امرأة فمهما كان الزّواج جميلاً إلا أنّه يُعتبر ورطةً من زاويةٍ ما ! وها أنا أعقدُ قران كتابةٍ في منتدى الجزيرة !

منصات التواصل الاجتماعي الحرة والشعبية، ألغت دور رئيس التحرير ومحرر صفحة الرأي وكذلك الناقد. بات بإمكان "المدون" أن يعرض بضاعته مباشرة، ثم يتعلم فنون التواصل الجديدة.

ليس التدوين نمط كتابة حديثا، بل يمكن لكثير مما كُتِب قديما أن يُصنَّف بأثر رجعيّ باعتباره تدوينا، وهذا يشمل كثيرا من أدب الرحلات والأخبار، وسائر ما كُتب بنزعة ذاتيّة.

الأكثر قراءة