ما أهمية الوعي بالإنسان؟

blogs - con
 
يُمكننا القول إن المقال السابق كان يهدف إلى نزع البداهة عن الذات والهوية الإنسانية. فالإنسان ليس شيئًا بديهيًّا، وإدراكه لذاته ليس معرفةً بديهية. والانتقال بالذات أو الهوية من واقع صلب وكيان أنطولوجي قائم بمعزل عن الوعي والفكر، وأحيانًا بمعزل عن الزمان والتاريخ، إلى معرفة متحصَّلة بواسطة الكلمات واللُّغة وموضوع من موضوعات الوعي، هو جوهر الوعي بالذات بالمعنى الفردي والجماعي لهذه الكلمة.

فالهوية لا تُوجد خارج الإنسان، والإنسان لا ينتمي لها، بل هي التي تنتمي للإنسان، لأنها تُوجد خلال الوعي الإنساني، ليس فوقه ولا خارجه. أي أن الإنسان شيء أكبر من الهوية، لأنه أكبر من الوعي، ولأنه ينطوي على قُدرة لتجاوُز ذاته باستمرار. على أن هذه القُدرة على التجاوُز لا ينبغي أن تجعله يشعر بالغرور، بل إنها تدعو إلى التواضع لأنها تدُل -بالاستقراء- على أن هُناك دائمًا آفاقا جديدة ممكنة للهوية وللمعرفة والوضع الإنساني.

العقل يختلف ويتغيّر بمرور الزمان وليس جوهرا نهائيا مطلقا

وفيما يخص عالمنا العربي والإسلامي فالإنسان بحاجة إلى من يذكِّره بُكرةً وعشية بالزمان والتاريخ، بأن كل ما يوجد في الزمان والمكان له تاريخ، وأن التاريخ نفسه دائمًا يوجد في الزمان وله تاريخ سابق له هو أيضًا، وأن الوعي بهذا التاريخ هو أيضًا وعيٌ تاريخي وليس وعيًا ثابتًا مرة واحدة وللأبد، وأن هذا الوعي يتم من خلال العقل وأن العقل نفسه يوجد في الزمان وخاضع للتاريخية بالتالي، بمعنى أن العقل يختلف ويتغيّر بمرور الزمان وليس جوهرًا نهائيًّا مطلقًا. وبدون وعي بالزمان والتاريخ سنكون دائمًا خارج الزمان وخارج التاريخ، وخارج العقل.

ولكن ما هي أهمية هذا الوعي؟
لقد مرَّ قبل قليل ذكر القدرة المستمرة على التجاوُز والتي تُفضي إلى التواضُع بسبب إدراك صيرورة الوضع الإنساني. وليست المشكلة عند الإنسان الذي يمتلك هذه القُدرة، ولكن في الإنسان الذي يفتقدها، ومن هُنا فإن "الوعي بالإنسان" يُؤدي إلى الخروج من حالة الجمود والتعصُّب وحالة اللاتسامُح مع الآخر.

وهُنا تكمُن ضرورة تجذير هذا الوعي في عالمنا العربي والإسلامي، فنحن في حاجة إلى التسامُح بعضنا مع بعض قبل التسامح مع الآخر المختلف ثقافةً وتاريخًا، بقدر حاجتنا إلى الخروج على التعصُّب والجمود.

إذن، "الوعي بالإنسان" ليس ترفًا فلسفيًّا بعيدًا عن الواقع، وإنما الواقع بالذات هو الذي يُملي ضرورة وأهمية هذا الموضوع. فأن نمتلك وعيًا بالإنسان يعني أن نكف عن النظر إلى أنفسنا وإلى الأشياء وإلى الآخر المختلف عنّا كما لو أننا نقف خارج الزمان والتاريخ، بعيدًا عن عالم البشر!

وهذا الوعي مهم بشكل خاص عند قراءتنا للدين، الفاعل الأكثر أهمية في واقعنا. إن قراءة الدين الواعية بالإنسان هي تلك القراءة التي لا يغيب عنها أن القارئ دائمًا هو الإنسان وليس الخالق. الإنسان الموجود الآن في هذا المكان، هذا العصر وهذا التاريخ، الإنسان الواقعي وليس الإنسان المجرد الذي لا وجود له في الأرض. ولأنه، أي الإنسان، يعيش في الأرض لا في السماء فهو يعبِّر عن رؤية إنسانية بواسطة أدوات معرفية إنسانية، وليست إلهية. 

 
إن الاعتراف بوجود مسافة فاصلة بين الإنسان المحدود بالتاريخ والثقافة واللّغة وأدوات المعرفة والتفكير التي يمتلكها من جهة وبين موضوع هذه المعرفة من جهة أُخرى سينقُل النقاشات من صراع حول "من يمتلك الحقيقة" إلى كيف يمكن قطع المسافة المؤدية إلى الحقيقة، أي إلى نقاش إنساني -إنساني كما ينبغي دائمًا أن يكون. وهذا غير ممكن بالنسبة لمن لا يمتلك وعيًا بالإنسان، أعني من يعتبر أن الهوية الإنسانية هي من المعلوم بالضرورة، وأنها في غاية البداهة إلى الحد الذي لا يحتاج إلى تفكير.

هذا الإنسان سينظر إلى المعرفة التي يحملها أيضًا بنفس الطريقة كأنها جزءٌ لا يتجزأ من الهوية بالمعنى السكوني لهذه الكلمة، وهكذا تكون المعرفة هي الحقيقة، هي الواقع ذاته، بلا أي مسافات! وهذا ما لا ينبغي أن يكون.

كل حقيقة تبقى إنسانية، لأنها مفهومٌ يُوجد في الإنسان، ويتم تحصيلها أو البرهنة عليها بواسطة الإنسان

ومن جهة أُخرى وعلى الرغم من أن إدراك نسبية الإنسان ومحدوديته يمثِّل شرطا ضروريًّا للمضي للأمام، إذ لولا نسبية الإنسان لما كان هُناك من معنى للبحث عن آفاق جديدة للمعرفة والوجود، فإن هذه النسبية قد يتم استغلالها لتحجيم الإنسان وفرض نوع من الوصاية عليه بوصفه عاجزًا عن بلوغ الحقيقة بعقله القاصر كما نلاحظ ذلك في الخطابات الدينية، مع أن هذه الخطابات نفسها أنتجها عقل إنساني تنسحب عليه ذات تهمة القصور، بالإضافة إلى كونه غالبًا غير واعٍ بالمسافة التي يقطعها هو أيضًا من أجل الوصول إلى ما يعتقد أنه الحقيقة. وإن الوعي بهذه المسافة لهو الوعي بالإنسان.

ومهما تكن نسبية الإنسان فإن "الحقائق" لا تستمد وجودها ومشروعيتها إلا من هذا الإنسان النسبي، لأن الحقائق تُوجد عبر الإنسان، وفي وعي الإنسان. فنحن لا نستطيع أن نتكلم عن حقائق خارج الوعي الإنساني لأننا لا نستطيع ولا يمكننا أن نخرج لنقف وننظر من خارج هذا الوعي. فهذا الوعي هو المُحرِّر، وهو السجن في الوقت نفسه.

فبوعينا نتخطى الشروط التي تحدِّد وجودنا، ولكن في الوقت نفسه لا نستطيع الخروج بشكل كامل خارج هذا الوعي لنرى أنفسنا والأشياء على حقيقتها المُطلقة. أو كما أوضح "كانط" أن وعينا بالأشياء لا يتم وفقا لطبيعتها كما هي، وإنما وفقا لطبيعة العقل الإنساني. إذن، كل حقيقة فهي إنسانية، لأنها مفهومٌ يُوجد في الإنسان، ويتم تحصيلها أو البرهنة عليها بواسطة الإنسان.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان