شعار قسم مدونات

صحافة العراق.. مهنة البحث عن الموت

blogs - iraqpress
 
لم يكن يخطر في بالي قبل نحو ثلاثة عشر عاما أن أعمل صحفيا همه البحث عن الحقيقة لإيصالها للناس في بلد لم يزل حتى الآن لا يعترف بحق الصحفيين في ممارسة هذا الدور. كانت الأقدار وحدها هي التي قادتني إلى هذا العالم في هذا البلد المبتلى أهله بلغة التخوين والتسقيط، وأيضا التهديد بالقتل.
 
في العراق لا يحق للصحفيين قول الحقيقة كما يرونها، ولا يحق لهم أن يتحدثوا بملء الفم بما يعتقدون

اليوم -مع الأسف الشديد- أشعر بأن سوء الحظ هو الذي قادني إلى هذه المهنة، رغم حبي وتقديري العالي لها. سوء الحظ مرده إلى القدر الذي جعلني أعمل في العراق.
 

فالعراق الذي غزته أميركا قبل أكثر من ثلاثة عشر عاما تحت حجج عديدة واهية -كانت إحداها بناء نموذج حكم ديمقراطي يحتذى به في الشرق الاوسط- ما زال يئن تحت وطأة الفوضى السياسية التي يحلو للبعض تسميتها بالفوضى الخلاقة. وكان من إفرازات الغزو -ولا أقول من حسناته- هذا الانفجار الكبير في تأسيس المئات من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة. وتحت شعار حرية التعبير الذي ما زال الكثير يبحث عنه على أرض الواقع ولا يجد له أثراً.     
 

في العراق لا يحق للصحفيين قول الحقيقة كما يرونها، ولا يحق لهم أن يتحدثوا بملء الفم بما يعتقدون. فالخطوط الحمراء كثيرة، و"المقدسات" تجاوزت حدود العقل والمنطق. المشكلة ليست في السلطة، بل في أحزابها وأجنحتها المسلحة التي تملأ المكان.

 

ومن المؤلم أن يتحول مفهوم الحقيقة في العراق إلى وجهة نظر، بعد أن أفسدت السياسة كل شيء وتدخلت في كل شيء، وفقدت المفاهيم والقيم بوصلتها في خضم صراع سياسي دموي لم يعد يميز بين الوطني والخائن وبين الحق والباطل، وأيضاً بين الضحية والجلاد.
  

لا عجب في القول إنه لا مكان للعمل الصحفي المحايد في العراق. فاحتدام الصراع والاقتتال واستمراره كل هذه السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق، لم يترك فسحة لصحافة محايدة. والصحفي في العراق متخندق رغم أنفه، شاء أم أبى. هذه الصراعات والتخندقات، بفرعيها الطائفي والعرقي وما نجم عنها من تسييس كبير للدين، أغلق الباب تماما أمام حرية الصحافة في العراق. وأضحى من يصر على المشي بعيداً في هذا الاتجاه كمن يسير في حقل ألغام قد يكون الخروج منه مستحيلا، أو كمن يلقي بنفسه إلى التهلكة.
 

فوصم الخيانة اتهام جاهز لكل من يريد قول ونقل الحقيقة. الحقيقة التي لا تتماشى مع قناعات السلطة الحاكمة ورموزها وأحزابها. ومن يصر فعليه تقبل التهم التي سيسعى البعض إلى إلصاقها به والتي تبدأ بالعمالة ولا تنتهي بالخيانة. ولا عجب أن ينتهى به الأمر رقماً مضافاً إلى قائمة الصحفيين القتلى في العراق.
  

من المؤلم أن يتحول خبر مقتل صحفي -أو بالأحرى اغتيال صحفي عراقي- الى خبر عادي جدا أو لا خبر، خاصة بعد أن تجاوزت قائمة الصحفيين القتلى في العراق خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية 250 صحفياً . فتكرار الحدث يفقده أهميته، فما بالك إن كان الصحفي المقتول في بلد اعتاد أهله على الاقتتال يوميا منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما.
 

ولا أظنها مفارقة، ألا تقوم السلطات العراقية بالتحقيق في أي حادثة قتل طالت الصحفيين، وإن كانت قد فعلت فهو لذر الرماد في العيون، وبكل تأكيد لم تكن هناك نتائج ليتم الإعلان عنها. وهذا يعني أن المجرم مازال حراً طليقاً ينتظر الفرصة والوقت -وأيضاً التكليف- ليمارس هوايته في اقتناص صحفيين آخرين مدرجين على قائمة الاستهداف.

 

ورغم تبنيها مفهوم حرية التعبير عن الرأي والصحافة الحرة، فإن كل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق في الثلاث عشرة سنة الماضية لم يعط أي منها دليلا عمليا لتطبيق هذه الأمر على أرض الواقع. وكانت النتيجة غلق العديد من المؤسّسات الصحفية.
  

وكانت شبكة الجزيرة إحدى هذه المؤسسات التي دفعت ولا تزال ثمناً بسبب إصرارها على تبني شعار الرأي والرأي الآخر الذي اختطته لنفسها منذ انطلاقتها والذي لم يرق للعديد من الحكومات في المنطقة ومن بينها العراق.
 

وأعتقد أنه من الصعب تصور وجود سلطة في دول العالم الثالث تتقبل هكذا شعار وتتعامل معه. فالرأي عند حكوماتنا هو ما تقوله هي، والرأي الآخر يجب ألا يبتعد كثيراً عما تعتقده هذه الحكومة أو تلك، ومن يحاول أن يشب خارج هذا الطوق "فذنبه على جنبه". وهذا ما حدث للجزيرة في العراق، كما حدث لها في أماكن أخرى عديدة.
 

العمل في مؤسسات لا تتفق تغطيتها الصحفية مع وجهة نظر السلطات أمر ليس بالأمر الهين في بلد مثل العراق

لقد عمدت كل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ العام 2003 وحتى الآن إلى إغلاق مكتب الجزيرة في العراق. ورغم أن بعضها سمح في وقت ما بفتح المكتب لاعتبارات سياسية خاصة تتماشى ورؤية السلطات حينها، لكن الأمر سرعان ما انتهى إلى الغلق مرة أخرى.
 

ومع تسلم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مقاليد السلطة في أغسطس/آب من العام 2014 وتعهده بانتهاج أسلوب مختلف عمن سبقه في طريقة التعاطي مع الإعلام الحر، فإن هذه التعهدات ذهبت أدراج الرياح لينتهي الأمر كما انتهى من قبل، نفس النتائج وإن تعددت المسببات.
 

عوداً على بدء أقول: إن العمل في مؤسسات لا تتفق تغطيتها الصحفية مع وجهة نظر السلطات أمر ليس بالأمر الهين في بلد مثل العراق، حيث تعج شوارعه ومدنه بالقتل يومياً، ويصعب إحصاء الجماعات المسلحة التي تجوب الطرقات والتي لا يجرؤ أحد على محاسبتها أو ردعها.
 

وسيبقى الصحفيون معرضين للقتل والاغتيال ما دام المجتمع لا يأبه بهم وبالدور الحقيقي الذي يقومون به، فنحن شعوب تحتاج إلى جيل جديد يعي أهمية وجود صحافة حرة، كما هو الحال مع الحاجة إلى جيل يعي معنى الديمقراطية ويعرف كيف يتعامل معها.