شعار قسم مدونات

العراق أكذوبة الماضي وإرجاف الحاضر

blog-العراق
المتابع للشأن العراقي يعي جيدًا أن الوضع الداخلي للعراق مقلق منذ أمد ليس بالقصير. لكنه يدرك كذلك أن تلك الأصوات التي تتصاعد وتيرتها بين وقت وآخر لتذكر لنا محاسن الماضي، وتحديدًا فترة ما قبل اجتياح القوات الأميركية لبغداد، إن هي إلا لأفراد لا يعون الواقع الفعلي للحالة العراقية في زمن البعث، ولا الحالة الحياتية المعيشة للمواطن العراقي تحت وطأة النظام الشمولي القمعي الذي كان يمثله نظام صدام.
نظام صدام البعثي كان الأكثر علمانية في العراق، ولذا لم يكن الدين حاضرًا في الفكر الصدامي ولم تكن تعنيه المسألة السنية الشيعية في شيء 

فمن كان يجهل واقع نظام صدام البائد ويعتقد أنه كان الأكثر نصرة للسنة والأكثر حرية في المنحى السياسي، فليعد لكتابات أشهر المؤرخين العرب،  أمثال حنا بطاطا، وللشهادات التاريخية لرموز نظام صدام حسين البائد، كشهادة عابد الجبوري رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء العراقي ووزير الخارجية الأسبق في نظام صدام البعثي، التي سجلها مع الإعلامي أحمد منصور في برنامج (شاهد على العصر).

فنظام صدام البعثي كان الأكثر علمانية في العراق، ولذا فلم يكن الدين حاضرًا في الفكر الصدامي ولم تكن تعنية المسألة السنية الشيعية في شيء. فصدام كان يشغله أمر واحد هو بقاؤه واستمرارية نظامه ليس إلا.

فمن كان يدرك أنه يمثل صوت معارضة أو خطرًا محتملاً على مستقبله في الحكم من رموز العمل السياسي العراقي فإن مصيره يكون التصفية بغض النظر عن كونه ذا مرجعة دينية سنية أو شيعية.

بل إن أكثر ضحاياه خلال سنوات حكمه كانوا من أبناء الطائفة السنية. الأكثر من ذلك أنه قد سن عرفًا لم يكن معلنًا أو مدونًا في الدستور العراقي، أبرز خطوطه أن من يتهم بالعمل ضد النظام كان يصفى هو وأسرته ووالداه وإخوته وأعمامه وأخواله وكل من يمت له بصلة قربى أو نسب في محيط واقعه المعيشي، حتى يكون نكالاً للآخرين ويمثل رادعًا وعبرة يحولان دون تفكيرهم في معارضة النظام أو العمل ضد صدام أو نقد أدائه السياسي في حكم العراق مستقبلاً.

وحتى بعد الاجتياح الأميركي للعراق وإزاحة صدام، فإن أغلب من عاد للعراق من رموز المعارضة في الخارج لم يكونوا أفضل حالاً في تعاطيهم السياسي مع العراق واقعًا وإنسانًا. فجزء منهم وتحديدًا ممن كان يعيش في الغرب، قد أفسدته الأموال التي كان يتلقاها من الحكومات العربية التي كانت تعمل ضد صدام وتخاف على بقائها من أطماعه السياسية التوسعية أي أن هؤلاء –من رموز وأقطاب المعارضة- قد باعوا أراوحهم وقرروا المتاجرة بمستقبل العراق لمن يدفع أكثر.

وكان القسم الآخر من المعارضة واقعًا تحت التأثير الثيولوجي لمرجعيته الدينية. فاستجاب لتوجيه ملاليها بضرورة جعل العراق تابعًا لنظام طهران وامتدادًا لتنفيذ أيدلوجيته الداعية لتبني أطروحة ولاية الفقيه، التي ستمهد الأرض للعودة المستقبلية للإمام المنتظر.

فأضحى العراق أرضًا وإنسانًا مختطفًا ممن كان من المفترض أنه الأكثر حرصًا عليه وسعيًا للمحافظة على لحمته الداخلية وسلمه الأهلي.

العراق أصبح بين ليلة وضحاها امتدادا للنفوذ الإيراني وبوابة لتمرير أطروحات إيران وسياساتها النزقة في منطقة الشرق الأوسط

ولقد وفّرت حالة الاضطراب وعدم الاستقرار الداخلي التي عانى منها العراق -تحديدًا عقب اجتياح القوات الأميركية لحدوده- مناخًا خصبًا للتيارات الراديكالية للتحرك على السطح وممارسة نشاطها الإرهابي والسعي لاستقطاب المزيد من الأتباع.

ولقد حظيت هذه الجماعات بدعم شخصي من بن لادن وتنظيم القاعدة الذي كان يديره، ولكون بن لادن كان يخوض حينها حرب بقاء شرسة ضد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية فقد فكر في نقل اللعبة إلى جهات جغرافية أخرى وفتح جبهات في مناطق الوجود الأميركي في منطقة الشرق الأوسط تسهم في تشتيت الجهود الحربية الأميركية وتشغلهم عن التركيز على حربه وملاحقته.

فكان ذلك إيذانًا بولادة تنظيم "الزرقاوي" في العراق الذي انضم له العديد من مقاتلي ورموز نظام صدام البائد والكثير من أبناء العراق الحانقين على الوجود الأميركي على تراب وطنهم العراق.

ومما زاد الأمر سوءًا أن من ولي أمر العراق لاحقا عقب انتهاء فترة المندوب السامي برايمر من ذوي المرجعية الشيعية قد اهتم في تشكيله لحكومته بأن يكون جل عناصرها من المعارضة الخارجية وممن كان يملك علاقات جيدة مع نظام طهران ومن الأقليات التي تحمل حنقًا على العراق كتشكيل حكومي تاريخي وتسعى للانفصال عن الوجود العراقي كالأكراد.

فتشكلت حكومات صورية هشة سربلها الفساد المالي والإداري، وأسندت الحقائب السيادية فيها لعناصر لهم ارتباط وثيق بنظام طهران، فأصبح العراق بين ليلة وضحاها امتدادا للنفوذ الإيراني وبوابة لتمرير أطروحات إيران وسياساتها النزقة في منطقة الشرق الأوسط.

ولكون هذه التنظيمات الحركية أشبه بالعصابات التي يتمحور وجودها حول النفوذ الشخصي الطاغي لفرد بذاته لا تلبث أن تتفرق بعد إزاحته -وهو الأمر الذي تعيه دوائر المخابرات الغربية جيدا– فقد كان القرار بتصفية الزرقاوي أمرًا حتميًّا.

نستطيع أن نقول بتجرد إن الواقع العراقي لا يزال سيئًا، والحالة العراقية هي أقرب للعيش البرزخي المتوسط بين الجنة والنار، فهل سيكون غد العراق واعدًا؟

بعد مقتل الزرقاوي تفرق تنظيمه لكن هناك مجموعات صغيرة ترتبط بمصالح مشتركة وتجمعها ذات الثيولوجيا استطاعت التماسك وعملت جاهدة على استقطاب العناصر المعارضة الأخرى من جماعات الإسلام السياسي. فكانت هناك "جبهة النصرة" وكان هناك "داعش". هذان التنظيمان اللذان عاثا فسادًا وتقتيلاً في الداخل العراقي وتحديدًا في المكون الطائفي الشيعي.

الأمر الذي ولد ردات فعل مناهضة لهذه البربرية الإرهابية المتسربلة بغطائها السني، فكان أن نشأ تنظيم "الحشد الشعبي" بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعيات الدينية في النجف الأشرف، وهو عبارة عن قوات شبه عسكرية عراقية مدعومة من الحكومة.

فزادت محنة العراق وأضحى المواطن العراقي البسيط يعيش بين مطرقة الفقر والمرض والجوع وسندان هذه التنظيمات الدينية المتطرفة على اختلاف مشاربها وأيديولوجياتها. والآن وعقب مرور قرابة الثلاثة عشر عامًا على سقوط بغداد، نستطيع أن نقول بتجرد إن الواقع العراقي لا يزال سيئًا، والحالة العراقية هي أقرب للعيش البرزخي المتوسط بين الجنة والنار. فهل سيكون غد العراق واعدًا؟ حقيقة.. أنا كغيري نصلي من أجل ذلك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.