من رابعة إلى يني كابي …. رحلة الديمقراطية!

bolgs - turk istanboul
لم يجد المصريون المؤيدون لرئيسهم المنتخب محمد مرسي مكانا يعبرون فيه عن رفضهم للانقلاب على شرعيته سوى تلكم الإشارة المرورية وسط مدينة نصر أمام مسجد رابعة العدوية، ولعل الأقدار شاءت أن تكرمها لتتحول إلى رمز من رموز الديمقراطية والإنسانية في عصرنا الحديث خصوصا بعد المجزرة الدموية التي نفذها عساكر مصر و"مواطنيها الشرفاء" والتي راح ضحيتها آلاف من المعتصمين السلميين بغير ذنب إلا ان يقولوا" نعم للديمقراطية ولا للإنقلاب " و"لا لا لحكم العسكر".
 

إلى يني كابي رحلت "روح الديمقراطية " بعد أن وئدت في رابعة ليس بيد العسكر فقط بل وبيد "أساطين الديمقراطية" وبيد من خرجوا يوماً إلى ميادين الثورة

لم نجد بعضا ممن يسمّون أنفسهم بالتيار المدني الديمقراطي يقف على منصة رابعة مدافعاً عما أفرزته "صناديق الإقتراع" أو إن شئت قل "أول عملية ديمقرطية مدنية في تاريخ مصر" ، بل راحوا يتمايلون ويتراقصون أمام الزعيم المخلّص الذي أراحهم من كابوس الصناديق " الإسلاميون " و الأمر من ذلك لم يعبروا عن ولو ذرة من إنسانيتهم حينما انهال الرصاص على المعتصمين وأكلت النيران أجساد بعضهم في سقطة انسانية كبرى وسقوط أكبر في امتحان الديمقراطية ، سقطوا لأنهم لايؤمنون بالديمقراطية إلا إذا ابتسمت لهم ،أما وأنها خذلتهم في خمسة استحقاقات متوالية فبعدا لها من ديمقراطية.

في ذات السياق ،لكن هذه المرة في يني كابي باسطنبول ، حشد جماهيري كبير دعا له الرئيس التركي رجب طيب اردوغان احتفاء بفشل المحاولة الإنقلابية وانتصار ديمقراطيتهم ، لم يكن أنصار أردوغان وحدهم هذه المرّة بل كان الشعب بكل فئاته ومشاربه وحتى المعارضة التي كانت ترفع الصوت عاليا رفضاً لسياسات "السلطان" ،تقف هذه المرة جنبا لجنب معه وترفع صوتها عاليا "لا للإنقلاب على إرادة الشعب" و"نعم لخيار الصناديق " ، لا بل رأينا العسكر في تركيا أيضا- وهم مصدر التهديد للديمقراطية- يشاركون الشعب فرحتَه هذه في مشهد قد لا يتسنّى لنا رؤيتَه بلادنا العربية التي لم تعرف طريقها للديمقراطية حتى الآن.

مهما كانت خلافاتنا يظل الوطن أكبر ويظل الدم أغلى وتظل الديمقراطية هي الخيار

إلى يني كابي رحلت "روح الديمقراطية " بعد أن وئدت في رابعة ليس بيد العسكر فقط بل وبيد "أساطين الديمقراطية" وبيد من خرجوا يوماً إلى ميادين الثورة مرددين " يسقط يسقط حكم العسكر" لهفاً إلى حكم مدني منتخب ، لكنهم لم يتحملوا ما كانوا يهفون إليه عاما واحدا ،على عكسِ نظرائهم في تركيا الذين غاب عنهم الحكم لأكثر من أربعة عشر سنة ومع ذلك لم يجدوا غضاضة في مؤازرة غريمهم القوي –حزب العدالة والتنمية -، ولربما جاءتهم فرصةٌ لاتعوض لولوج قصور الحكومة والرئاسة فآثروا المعارضة على حكم يقدمه لهم جنرالات العسكر فقد علمتهم التجارب أن العسكر لا يزرعون بذور الديمقراطية وما كانوا يوما سقاة لها .

سيبقى ميدان رابعة راسخا في نفوس المصريين مثالا على انحدار قيم الإنسانية وشرف العسكرية المصرية وسيظل ميدان يني كابي شاهدا على ملحمة ديمقراطية أبدع في رسمها الشعب والجيش والحكومة والمعارضة في تركيا معطين بذلك درسا لشعب وعسكر ومعارضة مصر مفاده أنه مهما كانت خلافاتنا يظل الوطن أكبر ويظل الدم أغلى وتظل الديمقراطية هي الخيار .