كي تكون رابعة آخر المذابح

blog فض اعتصام رابعة
كانت مذبحة رابعة أكبر مذبحة في تاريخ مصر، فلقد تم قتل آلاف المعتصمين في رابعة والنهضة حسب روايات شهود عيان من المعتصمين والناجين من المذبحة، وإن كانت الرواية الرسمية لا تتحدث إلا عن ألف قتيل أو أقل قليلا. 
كان للجيش أذرع إعلامية ووكلاء من السياسيين بدؤوا بالتشكيك أولا في الانتخابات ثم استغلوا كل قرار يصدره الرئيس المنتخب للتشكيك في شرعيته

ولكن بعيدا عن الخلاف حول أعداد الضحايا فحتى لو اعتمدتنا رواية عسكر مصر ومن مالأهم فإن قتل ألف معتصم في مساحة صغيرة كميدان رابعة وفي خلال ساعات يصدق عليه تماما وصف المذبحة، وفي مصر مذابح خلدها التاريخ مثل مذبحة القلعة للمماليك أول مارس/آذار 1811 تم خلالها قتل ثلاثمئة من المماليك غدرا، قتلهم محمد علي باشا ليتخلص منهم للأبد، ومذبحة بحر البقر حين قصفت طائرات صهيونية مدرسة بحر البقر بمحافظة الشرقية يوم 8 أبريل/نيسان 1970 فقتلت ثلاثين طفلا دفنتهم تحت أنقاض مدرستهم، ولكن هذه أول مذبحة كبرى تقوم بها قوات مصرية خالصة ضد مصريين.

كان الوضع محتقنا وأراد الجيش المصري استعادة للسلطة التي ظل محتفظا بها حتى أسفرت ثورة يناير عن انتخابات رئاسية نزيهة لأول مرة في تاريخ مصر فاز بها رئيس مدني لأول مرة أيضا، كان للجيش أذرع إعلامية ووكلاء من السياسيين بدؤوا بالتشكيك أولا في الانتخابات ثم استغلوا كل قرار يصدره الرئيس المنتخب للتشكيك في شرعيته ثم بدؤوا يطالبون بانتخابات رئاسية، كان الجيش يدعي الحياد بين الفصائل السياسية وأنه ترك السياسة بلا رجعة، لكنه كان وضع الخطة لاستعادة السلطة التي فقدها شكلا نتيجة ثورة يناير.

فكان ما كان في يوم الثالث من يوليو، وعزل قائد الجيش الرئيس المنتخب وتولى السلطة فعليا ثم استكمل الشكل بإجراء انتخابات رئاسية شكلية فاز بأكثر من 98% من الأصوات ولم يحظ منافسه الذي حل ثالثا في الانتخابات الأولى سوى على أكثر قليلا من الواحد في المائة.

كان البرادعي من الوجوه المدنية التي استخدمت غطاء لاستعادة الجيش للسيطرة، وكان من المشاركين في قرار الفض، وكان أول المغادرين بعيد المذبحة وآثر السفر للخارج، ومع ذلك لا يطهر يديه من دماء الضحايا. ولكن كيف نعمل على ألا تتكرر رابعة لا في مصر ولا في العالم العربي؟
أولا: ينبغي نشر ثقافة الديمقراطية وتداول السلطة بين المواطنين، وأنه الرأي الأول والأخير في تنصيب الحاكم ومحاسبته بل وعزله.

يجب تطهير الإعلام من الإعلاميين المأجورين والأمنيين، وأن يعلم كل إعلامي أنه صاحب رسالة في نشر الوعي

ثانيا: لابد من نشر ثقافة قبول الاختلاف وقبول الآخر مهما كانت درجة الخلاف وأن الخلاف السياسي أو الأيديولوجي ليس معناه العداوة، ولقد رأينا في تجربتنا المصرية بعض المعارضين يقرون علنا بأنهم يفضلون حكما عسكريا دكتاتوريا عن أن يحكم فصيل إسلامي منتخب شعبيا، وشتان بين المعارضة التركية التي ساندت خصمها السياسي ضد الانقلاب وبين المعارضة المصرية الذي رحبت بحكم العسكر.

ثالثا: يجب إعادة تلقين قادة الجيوش وجنودها بأن مهمة الجيش هي حماية حدود البلاد والدفاع عن استقلالها، وهي مهمة عظيمة لا تقل أهمية عن حكم البلاد.

رابعا: يجب أن يعلم كل من يسفك دم مواطن واحد أنه سيقع تحت طائلة القانون، وأن من أمره بسفك الدماء لن يحميه.

خامسا : يجب إعادة بناء السلطة القضائية بحيث تكون منفصلة تماما عن السلطة التنفيذية، وأن يعلم كل مسؤول أن التدخل في شؤون القضاء بغرض خدمة أغراض سياسية هي جريمة، ولابد أيضا أن يعرف كل قاض أو مدع أنه لا يخضع في قرارته القضائية لسلطان أي مخلوق سوى سلطان القانون وضميره.

سادسا: يجب تطهير الإعلام من الإعلاميين المأجورين والأمنيين، وأن يعلم كل إعلامي أنه صاحب رسالة في نشر الوعي، وأن يتم فضح الإعلاميين الذين يتلقون أموالا خارجية لتنفيذ أجندات هذه الدول في مصر. 

لكن هل يمكن تنفيذ ما سبق؟ 
الواقع يقول إن ذلك صعب جدا، ذلك أن المسؤول عن تنفيذ تلك السياسات التثقيفية والتطهيرية هو نفسه من يعمل على استمرار الوضع الراهن واستمرار ثقافة الخضوع للحاكم وعدم محاسبته.

ويبقى دوما هناك أمل:
ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي وذلك المولود الذي نأمل أن يكون قد ولد عملاقا ويقدم لنا بديلا عن الشبكات الغربية وأعني به مدونات الجزيرة، كل وسائل التواصل هذه كفيلة بفتح قنوات اتصال جديدة بين الشعوب بعيدا عن رقابة الحكومات وتحكمها في الرسالة الإعلامية، وقد تبلور هذا الأمل في ثورات الربيع العربي، وما فعله الـ فيسبوك في بدء الحشد لثورة يناير المصرية، وسيبقى أمل ما دام فينا قلب ينبض.