أرى .. بعد خمسين عاماً

blogs - family
نشهد حالياً صحوة غير مسبوقة لشباب واع وهمم تطال السحاب وإناس غيورين على علمهم وحضارتهم وأبناءهم ويفتدون كل ذلك بأرواحهم، وهذا هو وقودنا الحقيقي للنهوض بأمتنا والإستمرار في دفع دولاب أمانينا الثقيل وإخراجه من المياه الضحلة وترميم دفاته لتنساب مياه صافية من خلاله وتشق طريقها في حُفر الجداول المتصحرة.

وبعد خمسين عاما ستجد جدة على عكازها تسندها حفيدتها خلال تمشيها في صرح علمي ضخم

لكن بعد خمسين عاماً من الآن هؤلاء الشباب سيصبحون كباراً في السن، لا يشبهون كبار السن في وقتنا الحالي الذين أرهقتهم الحياة وانحنت ظهورهم وكسرت قلوبهم من هول الفساد والظلم والحزن الذي يسود عالمنا، بل سنراهم مرتاحين كالملوك، ينظرون إلى العالم على إمتداد بصرهم وعقولهم مليئة بالنشوى وقلب يخفق لذكريات السنين العجاف والكدح.

بعد خمسين عاما من الآن سيتوسط هؤلاء الشباب أبنائهم وأحفادهم يحكون لهم قصص نعيمهم الحالي، فهذا شيخ يقول: أنا أمضيت ربع عمري في زنزانة نتنة وأُكلت الكهرباء أعصابي حتى جذور الدماغ، كان حلمي أن أرى الشمس تتوسط السماء وأشرب مياه تروي عروقي الجافة وأن أركض تحت المطر ليبرد جراحي المتقيحة وهذا كان كله من أجل أن تعيشوا أنتم في ظل العدالة، فها أنتم تدخلون قصور الحكام وتتشاورون معهم في قرارات مستقبلكم ويأخذون برأيكم ليعم بعدها الخير على جميع المعمورة.
وبعد خمسين عاما ستجد جدة على عكازها تسندها حفيدتها خلال تمشيها في صرح علمي ضخم، وتُسلم الجدة على أحدهم وتتكلم معه لغة أجنبية وتتمنى له بحثا موفقاً في ديارنا، من ثم تلتفت بإعتزاز إلى حفيدتها سائلة: هل سبق وأن قرأتي تاريخ جامعة قرطبة والأندلس؟ فترد حفيدتها مجيبة: لا يا جدتي، فدروسي كثيرة .
فتهز الجدة رأسها وتقول بإبتسامة شامخة: يشبه كثيراً ما نحن فيه الآن لكن بصبغة تكنولوجية حديثة، لقد جددنا تاريخنا بأيدينا، وهاهم الأوروبيون والأمريكان يتسابقون للتعلم في جامعاتنا ونيل الدرجات العلمية العالية من معاهدنا العلمية وعقود تشاركية ضخمة للإستفادة من خبراتنا، كنا لعقود نتباهى بشهاداتنا التي تحمل لغتهم وأختام بلادهم، ذقنا مرارة الشقاء والإغتراب من أجل حياة كريمة وفوق كل هذا نظرتهم الينا إننا أبناء ذلك العالم الثالت المتخلف في كل شيء، ولكن كل ذلك لم يطفىء اليقين المشع الذي كان يسكننا بإننا سنعود إلى إعمار أوطاننا وسنتطور كان يمدنا بطاقة خارقة للصمود والكفاح من أجل هذا الزمن، ومن أجلكم لترفعوا رؤوسكم بين الأمم.
 
هذه ليست خُرافات أو نكات الموسم ولكنها ستكون قصص العصر جديد الذي سطرناه بأيدينا نحن شباب التغيير، لذلك لا بد لنا من الصمود حتى أخر رمق فينا

وعلى طرف مدينة مجاورة هناك وزير يقبل يد والده بإمتنان قائلاً : لا يسعني إلا أن أقبل يدك وأنحني إحتراماً لك ولأمثالك من الرجال كلما نظرت إلى آلت إليه بلادنا من تطور وعمران ، وكلما تهادت إلى أذني دعوات الناس لنا بالخير، فيربت الوالد على رأسه بحنان ويقول : أتدري يا ولدي بالأمس رميت بعضا من حبوب القمح في حديقة المنزل واليومعدت و وجدتها في مكانها، شكرت الله إن الطيور في بلادنا لا تشعر بالجوع، وهذا يجعلني انام مرتاح الضمير لأن الفساد الذي أوصل البشر في وقتنا لأكل بعضهم البعض قد مات بلا رجعة والجميع الآن يعيش في رخاء .

يقبل الوزير رأس والده من جديد ويقول : ولكني أشعر بالقلق من فائض الأموال المكدسة البنوك والمؤسسات، يتطلق الأب تنهيدة طويلة ثم يقول وقد تذكر شيئاً: لا تقلق يا ولدي، سمعت من سفيرنا في أمريكا أن وزارتها شاورته في المساهمة في بناء مركز فضائي جديد فلا بأس أن تساهم بلدنا في هذا المشروع، فهم رواد في هذا المجال وسيحتاجون علمائنا الصغار لمساعدتهم في أفكار جديدة لتطوير أبحاثهم الفضائية على المريخ وكن على إطلاع على أحوال باقي الأمم إن كانوا في ضائقة فأقرضهم قرضاً حسنا، فالله أوصانا ببعضنا حتى سابع جار.
 
هذه ليست خُرافات أو نكات الموسم ولكنها ستكون قصص العصر جديد الذي سطرناه بأيدينا نحن شباب التغيير، لذلك لا بد لنا من الصمود حتى أخر رمق فينا، لإن كل نصر لا بد أن تسبقه ثورة، وكل نجاح لا بد أن يسبقه تصميم ومثابرة، وكل سلام لا بد أن يسبقه حروب ودماء، وكل تقدم لا بد أن يسبقه علم وحضارة.