هكذا التقى نصفاي.. شاعر سرقته الصحافة وصحفي خطفه النثر

blogsmeeting

هكذا وهنا يلتقي نصفاي في مساحة واحدة كانت عصية فيما مضى كونها علقت في شباك الهوية والسؤال الوجودي الأول من آنا.
 

شاعر سرقته الصحافة أم صحفي خطفه النثر أم الاثنين معا شاعر وصحفي.
 

لم أعد أعرف إلى أي نصف أنتمي إلى الشاعر النثري أم إلى الصحفي المغرق في البحث عن معلومات ربما وللصواب لا أريد أن أعرف فذلك التباس جميل لا أحب فك طلاسمه ليبقى الاشتباك قائما.
 

صحفي يأسر شاعرا ويقيده بالضوابط ويعلمه فن الواقعية.
 

وشاعر متفلت يدرب صحفيا على المخيال والطيران.
 

حين أنكش الآن -وعن عمد- عش ما وراء البال، تفيض ذكريات ذاك الزمان وتبدو لي ملتبسة أكثر مما توقعت، فتحت سن العاشرة كنت مغرما جدا بفيلم كرتون اسمه ساندي، بل تلك الفتاة الممشوقة التي تمتلك سيارة تطير وكلبا ضخما، فيما بعد عرفت أن كل هذا الاغراء نابع من التلصص على الشخصية الثانوية في الكرتون.
 

ذلك الصحفي الذي كان يرتدي دائما نظارة سوداء، هذه الشخصية بالذات أبقت الحلم طريا في خاطري، ودربته جيدا حتى أني كنت أشتري صحف عربية من السوق لم أعد أذكر أسمائها، وأجلس أقرأها من أولها إلى آخرها دون أن أفهم شيئا.
 

حقا دون أن أفهم شيئا..
 

وحين أحفر أكثر في الذاكرة أجد نفسي مراهقا في سن 14 عاما، أكتب أول وأكثر النصوص محبة إلى قلبي، هو نثر حمل عنوانا روتينيا يومها فأسميته حب في المخيم، وكنت قد كتبته في بيتنا في مخيم العائدين بمدينة درعا جنوب سوريا، ذلك البيت المليء برائحة الفقر والحطب والبصل المشوي وكثير من الأمل.
 

ذلك البيت لم يعد موجودا الآن سوى في ذاكرتي..
 

في نثر حب في المخيم كتبت:
 

ذات يوم استللت من جيب بنطالي الممزق قطعة نقد بالية..
 

رميتها في الهواء
 

إن جاءت شعارا
 

قلت أحبك..
 

وإن جاءت كتابة
 

قلت أحبك..
 

لكنها وفي كل مرة كانت تأتي على حرفها..
 

ليبدأ مهرجان الركض وراء قطعة النقد الوحيدة
 

فهل
 

تعتقدين
 

أني
 

أحبك..
 

أضحك عاليا الآن فهذا أول تعريف للحب عرفته قبل أن أدرك لاحقا أن المخيم هو من رسم صورة للحب في داخلي..
 

ذلك المخيم..
 

مخيمنا الذي كان يوما ما وطننا وبات اليوم ذاكرة من كلام.
 

قبل سن العشرين بقليل عملت دهانا ومعتق ديكورات الجص أو ما يطلق الجبصين، وربما لن يصدق أحد أن طلاء وجوه المنازل وتعتيق ديكوراتها بإمكانه أن يجعل منك شاعرا بل ويجعل منك صحفيا أيضا.
 

كل ما في الأمر أن تكنكيك هذه المهنة يعلمك الانتظار والإصغاء ويعطيك فترة تكون فيها عاطلا عن العمل، هي فترة انتظار أن يجف الوجه الأول من الدهان الأساس، للبدء بطلاء طبقة أخرى جديدة وهذه الفترة بالتحديد جعلتني شاعرا نثريا وصحفيا معا، ففيها أصغيت لمئات الساعات إلى الراديو الذي كان يلازمني دائما.
 

وفيها قرأت كثيرا فأدهشني أبطال شولوخوف وديسوفيسكي وغوغول وأوستروفسكي وكانتزاكس، وحرافيش ماركيز وسلحفاة زفزاف مراكش، وفيها إختبرت سحر لوركا وصلف بوشكين وصوفية الحلاج وعقدة محمود درويش.
 

وفيها عرفت أن الأوديسا والإلياذة ليستا أدبا ولا أساطير..
 

هكذا خرجت من مدينة درعا ومن المخيم بحلمين، واحد يشدني إلى الشعر والنثر والأدب، وآخر يعيش دهشة  الصحف والورق والصور والكاميرا.
 

اليوم أقول من هناك بدأ هناي، الآن وما أنا عليه وما أنا فيه الآن..
 

شاعر نثري يدلل اللغة ويغويها بالرقص كي تكون أجمل ما تصير.
 

يلقي ألحانه فيتبعه التأويل مهرولا وهو يجر الاستعارة من ذيلها، ويتلصص على التشابيه وهي تغير ثيابها ويغوي الكنايات عند زوايا الظلال.
 

وصحفي جرته الكاميرا ودهشتها من أنفه، جعلته شاعرا أكثر حين رأى الشق القاسي والجاف من إنسانيته، وعلمته أن أجداده العرب لم يكونوا جاهلين بل كانوا على حق..
 

حين إنتصروا للغة لا للقبيلة
 

للصورة والاستعارة لا للوصف الرتيب..
 

للسماء لا للخيمة
 

الآن وأنا أدون أولى التدوينات هنا ربما أقول لنفسي وصلت متأخرا قليلا، فالآن ومع حلول منتصف الثلاثينيات بت انتقائيا أبحث عن اللغة فقط بعيدا عن الأيديولوجيا والشعارات والأفكار الثورية، فقط اللغة بسحرها وعجائبيتها، وربما لهذا ارتكبت خطيئة إعادة اكتشاف الشاعر الكردي – السوري سليم بركات.
 

الآن لم يعد لدي أسئلة كبرى خاصة تلك الوجودية التي تسحب معها الكثير من التأمل والقلق والأرق وعلب السجائر طبعا، الآن في أولى أطوار الاكتمال الهش أبحث فقط عن زاوية قليلة الضوء وكتاب خفيف الظل.
 

أفضل دائما تلك الكتب التي تحاول إثبات أن الأرض ليست سوى ذرة غبار، علقت بمكنسة مهملة رميت في حديقة خلفية متروكة في إحدى زوايا هذا الكون الرهيب، وتغريني كثيرا تلك الكتب التي تجهد في ضرب أهم مقداساتنا بأننا كبشر لسنا أرقى الأنواع، وبأن النهاية ليست بأيدينا والأهم أننا لا نعرف ولا نملك طريق الخلاص.
 

لكنها اللغة بإغرائها والتباسها تقول لي كن شاعرا بعصا التأويل وهي ذات اللغة التي تخاطبني كن صحفيا إن شئت أيضا.
 

اقرأ لتكتب وأكتب لتقرأ
 

فلا صحافة دون لغة
 

ولا شعر أو نثر دون لغة
 

ولا لغة دون معرفة ولا معرفة دون قراءة
 

اقرأ إذا
 

اقرأ بعينيك فالأفق يتسع لذلك، واقرأ بمخيالك فتلك آلة سحرية لا تتعطل ولا تسجن ولا يقوى عليها أحد، واقرأ بأذنيك فهذا الكون طافح بالأصوات.
 

إقرأ لتكتب..
 

وأكتب لتقرأ
 

وهذا ما أفعله هنا..
 

هي تدوينة للنثر وللشعر وللصحافة في لغتها الأنيقة..
 

صحفي بمخيال شاعر
 

وشاعر بحذر صحفي.
 

هذا ما أحاول أن أكون عليه، سوى أن النهايات مفتوحة للتأويل دائما، ففي صغري كنت أخاف الأماكن الضيقة والمعتمة، أما اليوم فتراني أفتش عن أضيق زاوية في زواياي وهناك أفترش عتمتي وأمارس جنوني وتأملي لأناي وأحيانا تكبر الزاوية الضيقة لتغدو بحجم قارة.
 

وأكون أنا شعبها الوحيد.