مبادرة لإطلاق سراح معتقلي سجون الأسد

blog - abuelkher
 
لطالما اعتبر السوريون منذ انطلاقة ثورتهم وحتى اليوم، أن المعتقلين هم وجع البلاد الأكبر، على كثرة أوجاعها، وأن قضيتهم هي الأكثر إلحاحاً، والمطالبة بحريتهم ذات أولوية، وربما كانت الحملات التي أُطلقت بشأن الإفراج عن المعتقلين، هي أكثر ما عمل عليه نشطاء الثورة خلال السنوات الخمس الماضية، وإن خفّتت مؤخراً بفعل الإحباط من عدم تحقيق نتائج.
 

اليوم، وبشكل لم يكن وارداً من قبل، هناك فرصة ذهبية يجب اقتناصها لإطلاق مبادرة تبلورها الهيئة العليا للمفاوضات بالتنسيق مع جميع الفصائل السورية المعارضة، وتقدمها كشرط للعودة إلى التفاوض، تقضي بإطلاق جميع المعتقلين من سجون الأسد، مقابل الإفراج عن جميع الأسرى الذين بحوزة الثوار، وفق خطة تسليم تدريجية محكمة، تنتهي بتبييض سجون الطرفين.
 

من عائلتي الصغيرة وحدها، قُتل تحت التعذيب في سجون نظام الأسد اثنين من إخوتي هما بشير ورشاد، شابان يافعان لم يتجاوزا العشرين عاماً، كما قتل في تلك الأقبية السوداء ثلاثة من أبناء أعمامي وأخوالي.

وفي مدينتي بانياس، أحصى النشطاء استشهاد أكثر من 100 شاب قضوا تحت التعذيب، بالرغم من أن بانياس مدينة باردة لا قتال فيها ولا مقاتلين، وانتهت فعاليات الثورة فيها بعد ثلاثة أشهر فقط على انطلاقتها في مارس/ آذار 2011، فكيف بربك هو الحال في مدن حامية كداريا ودوما وحمص وجسر الشغور والباب والأتارب وكفرنبل التي واصلت نضالها حتى اليوم؟

نظام الأسد غير مبالٍ بجنوده الأسرى لدى الثوار والمعارضة، ولا يبدي أي تحمل للمسؤولية تجاههم

تسريبات "سيزر" التي قيل أنها شملت 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل قضوا تحت التعذيب، طافت غير عاصمةٍ من العالم المؤثر وأكثر من برلمان غربي، كما جالت في منظمات أممية يفترض أنّ مفتاح مشاكل الكوكب لديها، كمجلس الأمن ومقر الأمم المتحدة، لكن ذلك لم يسفر ولو عن موقف واحد ذي بال، ولم يحرك هذا الهولوكوست الرهيب أي ساكن.

undefined
"صورة لأخي رشاد شهيداً تحت التعذيب في فرع 215 كما تظهره تسريبات "سيزر"

ويطرح هذا الواقع المفجع، حقيقة أن على السوريين، الفصائل المقاتلة والمعارضة السياسية، أن تستثمر عوامل قوتها وتستغل الفرصة المتاحة لها، فتدفع باتجاه مبادرة كبرى على الصعيد الوطني، يمكن لها أن تطوي صفحة هذه المأساة، وفي حين لم يكن هذا ممكناً من قبل، فإنّه اليوم مُستطاع بالفعل. لا شك، أن هناك الكثير مما يمكن أن يُقال للتثبيط عن المضي قدماً في تحريك هذا الملف بشكل فاعل، فنظام الأسد مجبول على الهنجهية والطغيان والمراوغة والمماطلة، ولا يمكن الوثوق به بأي حال.

وهو إضافة إلى إنكاره لأعداد المعتقلين الهائلة بسجونه بسبب الثورة، فإنّه إلى ذلك غير مبالٍ بجنوده الأسرى لدى الثوار والمعارضة، ولا يبدي أي تحمل للمسؤولية تجاههم ولا إحساساً بمعاناة أهاليهم وحواضنه، وهو ما يُعقّد هذه القضية ويُصعّبها. إلا أنه ثمّة علامات وإشارات، تؤكد أن العمل على صياغة رؤية لمبادرة بشأن المعتقلين أمر قد يفضي إلى نجاحها وإطلاقهم، وعلى رأس تلك المؤشرات:

● أن الفصائل المقاتلة بمختلف أطيافها، من جيش حر وفصائل إسلامية، بالإضافة لجبهة النصرة التي يجب كسبها إلى صف هذه المبادرة، تمتلك جميعها آلاف الأسرى من عناصر جيش النظام والمليشيات المتحالفة معه سواء سورية أو مرتزقة من الخارج، أي أن الثمن والمقابل موجود، ويمكن استبدالهم بالمعتقليين بدل صرف الأموال والمقاتلين على حراستهم وإطعامهم.
 

● الفاعلون إلى جانب النظام على الأرض، من إيران وميلشيات حزب الله إلى الميلشيات العراقية وغيرها، وهي في الغالب أكثر اكتراثاً بأسراها الذين بحوزة الفصائل، وقد يشكل تدخلهم لصالح إتمام هذه المبادرة فرقاً ودعماً لها.
 

● رغبة "محتملة" لروسيا لإنجاز شيء يُحسن سمعتها الملطخة بدماء الأبرياء، ويقدمها كفاعل سياسي جاد، وضغطها على الأسد يمكن أن يُخضعه.
 

● وجود الهيئة العليا للمفاوضات كممثل شرعي وحيد للتفاوض، له وزنه، وسبق أن حظيت بثناء المبعوث الأممي إلى سوريا ستافان ديمستورا في مارس/ آذار عندما خاضت الجولة الأولى من المفاوضات برؤية "عميقة" وشاملة، والوصف لديمستورا، فيما ذهب وفد النظام بلا رؤية، وكان ذاك أول ثناء تحظى به المعارضة السورية منذ انطلاقة الثورة، بعد طول لوم بتفرقها وتشرذمها.

● وما يعزز الأمل أيضاً، قيام صفقات جرت بالفعل، ونجحت إلى حد لا بأسه به، مثل صفقة الحجاج الإيرانيين، بين لواء البراء التابع للجيش الحر والنظام، وصفقة راهبات معلولا بين النظام وجبهة النصرة بوساطة لبنانية قطرية، وصفقة بين النظام والفصائل بإدارة حركة أحرار الشام ووفد إيراني في تركيا، جرى بموجبها إدخال المساعدات للمناطق التي يحاصرها الطرفان، وتبادل إخراج الجرحى منها، وبالطبع لم تكن لتنجح تلك الصفقات وغيرها لولا وجود عاملان مهمان: ضغط على نظام الأسد من حلفائه، ومقابل مقنع يقدمه الثوار.
 

لن يكون سهلاً على الهيئة العليا للمفاوضات بلورة هذه الرؤية دون جمع كل أو معظم الفصائل الثائرة المقاتلة على الأرض

يمكننا أن نجزم أن حجم المعتقلين في سجون الأسد الذين قضوا تعذيباً وتجويعاً وإهمالاً وإعداماً، في عموم البلاد، يتجاوز ما يمكن أن تقفز إليه الذاكرة، وما تراوحت عنده الإحصاءات، التي تقدرعددهم بنحو 200 ألف معتقل، إلا أن لدى فصائل الثورة مجتمعة، أعداداً كبيرة بدورها من العناصر والمسلحين من مختلف التشكيلات التي تقاتل إلى جانب الأسد، وتنوع الجنسيات يشكل حاملاً مهماً لتقوية هذه الصفقة المحتملة.
 

لن يكون سهلاً على الهيئة العليا للمفاوضات بلورة هذه الرؤية، دون جمع كل أو معظم الفصائل الثائرة المقاتلة على الأرض السورية، لاعتماد هذه المبادرة وأخذ التزام مكتوب منهم بتقديم معلومات أولية عن الأسرى الذين بحوزتهم، وإبداء الاستعداد لإطلاقهم مقابل معتقلين في سجون الأسد، بالإضافة إلى أنه سيكون على عاتقها جمع أسماء المعتقلين في سجون الأسد.
 

سبق للهيئة أن نجحت بالتواصل مع طيف كبير من تلك الفصائل العسكرية ونالت تمثيلها، وهي اليوم بحاجة لمثيل فصائل أكثر عدداً من أجل الذهاب إلى المفاوضات بورقة هذه المبادرة.
 

وبعد ثلاث جولات، علّقت هيئة التفاوض مشاركتها بمباحثات جنيف بكشل رئيسي بسبب عدم إحراز تقدم في الملف الإنساني الذي يشمل إضافة إلى فك الحصار عن المدن، إطلاق سراح المعتقلين، وتجهيز هذه المبادرة وتثبيتها على طاولة المفاوضات قد يحرج حلفاء الأسد الروس، أمام نظرائهم الأمريكان، ويقدم الخطوة الصحيحة التالية للمضي قدماً، إن كان هدفهم هو المضي فعلاً.