المشكلة في الضمير!

blogs forest
يقول مالك بن نبي : " فما الضميرُ إلا تلخيص نفسيّ للتاريخ ، وخلاصة لأحداث الماضي منعكسة على ذات الإنسان ، فهو بلوّرة للعادات والاستعداداتِ والأذواق " ، وفي نفس الكتاب يقول أيضاً : " تلكم هي مأساة الحضارة الحديثة في عمقها ، فإنّ الضمير الحديث لم يتمثّل بعد ما حقّقه العلم من مخترعات".

عندما تَقبَل ما يُهينُ إنسانيّتَك واقعًا أزليًا غير قابلٍ للتعديل أبداً ، دون إكراهٍ عسكريّ أو سياسيّ أو وجوبٍ دينيّ ، فإنّ المشكلة في ضميرك ، ضميرك الفرديّ الذي يُعدّ لبنةً أساسية في تكوينِ ضميرِ المجتمع ، ضميرك الذي ربّما جُبِلَ على أهواءٍ وعاداتٍ وآراءٍ ومراجِع لا تمثّلكَ كذاتٍ مستقلّة في شيءٍ يميّزها عن غيرها .

تُربّى الفتيات على الخوف من الخروج ليلاً بسبب العادات غير الأخلاقية للفتيان غالباً

حسناً ، لنفكّر معاً ، ما الذي يسمَح بخروج الفتى حتّى وقتٍ مُتأخرٍ من الليل لمُجرّد أنه يريد ذلك بينما نستنكر هذا الفِعل على الفتاة حتى لو كانَ لديها سبب وجيه للخروج ؟ ما الذي يَجعل الموقف الأول مقبولاً أكثر من الموقف الثاني في كثيرٍ من المناطِقِ حول العالم ؟ إنّه الضّمير .

تُربّى الفتيات على الخوف من الخروج ليلاً بسبب العادات غير الأخلاقية للفتيان غالباً، ويقَع التناقُض في أنّ نفسَ الضمير الذي دفع المجتمع لتربية فتياته على هذا الخوف، شجّع فتيانه لتقمّص تلك العادات! والفتياتُ يكبُرنَ ليربينَ ضمائر أبنائهنّ وبناتِهنَّ وِفقَ نفس التناقض !

لقد بدأ بعض الأفراد وحتّى بعض المجتمعات بتجاهُل هذا البند – كواحدٍ من بنودٍ متناقضة كثيرة – من ذلك الدستور ( ضمير المجتمع )، ولكنّني أريد أن أعزّزَ هذا الفِكرَ الذي دَفع بهم لذلك – للتمرّد على ضميرهم بشكلٍ عام – من خلال مدوّنتي هذه .

هذا الخضوع لقرار الضمير ومحدودية خياراته وتجرّد اختياراته من التميّز ، سيجتزئ قدراً كبيراً من قدرتك على الإبداع ، ليُبقيه حبيساً في مكانٍ ما داخلك لا يرى النور فيه ، إلى أن تنسى أنّه كانَ يوماً جزءاً منك ، وتنسى حتّى أنّه موجود ، أو ربّما إلى أن تبدأ بتجاهُلِ وجوده إرضاءً لهذا الضمير ، الضميرُ المقيت – بالنسبة لك – في بعض الأحيان .

حياة الإنسانِ ملكه وحده لأنّه وحده من سيتحمّل نتيجة قراراته ، فمن المؤسِف حقاً أن تكون قراراتُنا متشابهة ، فنعيش حياةً تشبه حياةَ الكثيرين ، أو على الأقل تشبه حياةَ آبائنا وأجدادنا ، متجاهلين كلّ اختلاف ، وكلّ إبداعٍ حُبِسَ فينا ، كما حُبِسَ الكثيرُ من الإبداعاتِ فيهم من قبل .

أستطيع القول بأنّ الاطلاع على أكبر قدرٍ ممكن من الأفكار المتاحة من خلال مصادرَ مختلفة وعدم رفضها مباشرةً قد يساعد في ذلك

كيفَ لمجتمعٍ أن يحتضنَ تطوّراتٍ في مجالاتٍ مختلفة دون أن تختلف اختيارات المبدعينَ فيه بحسب اختلاف مواطن قدراتهم الإبداعية ؟ الضمير المُقَولَب قد يدفَعُ بموهوبٍ في أحد المجالات الفنيّة أن يدخل مجالاً علمياً ، وقد يدفع بأمٍ لتمنَع ابنتها من السفر خوفاً عليها ، وهذا الضمير هو من أوجَد هذا الخوف .

لماذا نرفضُ تعديل هذا الدستور المتوارَث في أغلبِ مواده ؟ لأننا ببساطة نخافُ أن ندفع ثمناً ما على الصعيد الفردي ، و نخاف أن تسوء الأمورُ أكثر على الصعيدِ الاجتماعيّ، ونخافُ أن نخسر أشياء كثيرة تختلف من فردٍ أو مجتمعٍ لآخر، إلّا أنّنا في النهايةِ سنكسبُ حرية الإنسان في الاختيار، سنكسب جديداً يُدهِشُنا من شدّة الإبداع فيه ، قدراتٍ إبداعية تُرجِمَت على أرض الواقع لأنّ بعض البنود الممنوعة أصبحت الآن مباحة ، لم تَعد هذه الإبداعاتُ حبيسةً داخلك يقيّدها الضمير ، الضمير أصبح فضفاضاً أكثر و يملك مساحاتٍ واسعة من الخيارات ، واختياراتٍ أكثر تنوعاً ، و سيُدهِشنا ما ستؤولُ إليه يوماً ما .

كيفَ نبني ضمائرنا ؟ لكلٍ منّا طريقته الخاصة في ذلك ، وحدوده الخاصة التي يضعها لنفسه ، لكن أستطيع القول بأنّ الاطلاع على أكبر قدرٍ ممكن من الأفكار المتاحة من خلال مصادرَ مختلفة وعدم رفضها مباشرةً قد يساعد في ذلك . دعوناً لا نتقوقع على ما لدينا من أفكار ، ولنفكّر ملياً في كلّ ما يمرّ أمامنا كلّما جاءتنا فرصةٌ لنفعل ، فلنتوقّف عن إسكات أفكارنا كلما ذهبت بنا بعيداً ، فلنسمح لها أن تفعل من وقتٍ لآخر ، علّنا نتخذ موقفاً فكرياً خاصاً بنا – بتجرّدٍ عن ردّة الفعل المعتادة على الأقل – اتجاه المواقف التي نمرّ بها ، قد يتطوّر من مجرّد موقفٍ فكريٍ مغاير ، إلى حركةٍ متمرّدة تؤثِّر تراكمياً في المجتمع .