المدونات في السعودية.. حكاية ذاتية

blog - shihry
 
أُتيح الإنترنت في السعودية عام 1997 تقريبا، أول مرة شهدت فيها عالم الإنترنت كانت عام 2000 في مقهى بمدينة الرياض، يوفر الخدمة مقابل 50 ريالا للساعة ربما. في بداية المرحلة الثانوية يدفعني الفضول وحب الاستكشاف، حينما دخلت المقهى كنت ملثما بالشماغ أخشى أن يراني أحد يعرفني لأن سمعة مقاهي الإنترنت حينها كسمعة الأوكار المشبوهة.
 

لايزال الناس يتوجسون استخدام الإنترنت بسبب خطب الجمعة والمحاضرات التي تحذر من هذا الشيطان الذي اخترعه الغرب، للأسف فإن أكثرهم لا يعرف شيئا عنه، فقط الخوف من الجديد.
 

أول مرة شهدت فيها عالم الإنترنت كانت عام 2000 في مقهى بمدينة الرياض، يوفر الخدمة مقابل 50 ريالا للساعة ربما

دخلت المقهى وكان معي ابن عمي صاحب خبرة ثلاثة أشهر في عالم الإنترنت، وكنت أراه "ستيف جوبز" زمانه. في ذلك اليوم سجلت إيميلي الأول أو في الحقيقة سجله لي ستيف جوبز.
 

بعد سنوات قليلة ربما في ٢٠٠٤ أصبحت الشبكة العنكبوتية تأخذ معظم وقتي خصوصا "الساحات، إيلاف، مجلة العصر". تميزت هذه المواقع بأنها تختلف عن خطاب الإعلام الرسمي، تحليلات وحوارات جريئة وموضوعات غريبة، وأحياناً صادمة لي، في الدين والسياسة وقضايا اجتماعية، كانت الجرأة كبيرة في طرح الآراء ومناقشتها، إلا أنها كانت جرأة تفتقد الحرية، إنها حرية المقنعين الخائفين من الرقيب الأمني.
 

في جانب آخر كان هناك عدد من الشباب السعوديين يكتبون بأسمائهم الصريحة، أذكر منهم "فؤاد الفرحان، عصام الزامل، هديل الحضيف، خالد الناصر"، لم أكن أتابع ما يكتبه المدونون إلى عام ٢٠٠٧، في مطلع العام اعتقلت وزارة الداخلية مجموعة من المهتمين بالشأن العام في مدينة جدة، منهم أكاديميون وشخصيات معروفة أبرزهم الدكتور سعود مختار الهاشمي، عُرفوا بـ "إصلاحيي جدة".
 

اتُهمت المجموعة بتمويل أعمال عنف في العراق والتخطيط لتأسيس حزب سياسي، دافع عنهم فؤاد الفرحان وكتب أنهم دعاة إصلاح ولم يدعم أحد منهم العنف، لم يمض وقت طويل حتى تم اعتقال فؤاد في ديسمبر/كانون الأول 2007، بادر المدونون بتدشين حملة دولية بعنوان "الحرية لفؤاد الفرحان". في تلك الحملة اختار المدونون لقب عميد المدونين السعوديين لفؤاد، اتسعت رقعة الحملة وشارك فيها مدونون من مختلف أنحاء العالم وأصبح الضغط على الحكومة كبيرا إذ لم تتوقع أن تكون ردة الفعل بهذا الحجم، كما شاركت وسائل إعلام عالمية في الحملة مثل "قناة الحرة، وجريدة نيويورك تايمز وواشنطن بوست، وإندبندنت البريطانية، وقناة سي إن إن، وموقع بي بي سي".
 

كان المدون أحمد العمران وغيره من الشباب المبتعثين في أميركا يكتبون باللغة الإنجليزية عن فؤاد، وكان من أبرز الناشطين في الحملة باللغة العربية المدونة هديل الحضيف، في بداية الشهر الرابع من اعتقال فؤاد تم الإفراج عنه وكان الفضل الكبير لهذه الحملة التي قادها المدونون.
 

من أنجح مشاريع التدوين في السعودية مؤخرا المدونات الجماعية مثل مدونة "أعواد قش" ومدونة "نظر" ومدونة "ساقية"

كان من المؤسف أن هديل دخلت في غيبوبة مفاجئة ثم توفيت قبل الإفراج عن فؤاد بأيام قليلة، رحمها الله وأسكنها الجنة. تابعت أخبار فؤاد من خلال الحملة ومدونة "ماشي صح" للمدون خالد الناصر، كنت حينها طالبا في الجامعة، فرحت لفؤاد ولرفاقه الشجعان، من هنا بدأ اهتمامي بالتدوين وبالمدونات وكتبت أول تدوينة على خجل عام 2009، وتلك في ظني كانت لحظة انفجار التدوين في السعودية، كان اعتقال فؤاد أكبر حافز للشباب لاقتحام عالم التدوين.
 

صدر لهديل بعد وفاتها كتاب "قارع باب الجنة" على اسم مدونتها، وهو مجموعة مقالاتها التي نشرتها في المدونة. فؤاد مازال يكتب ويدون في مدونته وأسس عدة مشاريع أبرزها موقع رواق للتعليم المفتوح، وكذلك عصام الزامل مازالت مدونته تتنفس، وكثير من المدونين واصلوا التدوين رغم خفوت وهجه.
 

لا أحصي عدد المدونين والمدوِنات الآن، ولكن من أنجح مشاريع التدوين التي برزت في السعودية مؤخرا هي المدونات الجماعية (يشارك عدد من الأشخاص في مدونة واحدة)، فعلى سبيل المثال مدونة "أعواد قش" يشرف عليها مجموعة من طلاب الدراسات العليا في تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانيات، ومدونة "نظر" تهتم بترجمة الأعمال المهمة في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، كذلك مدونة "ساقية" تركز على انتقاء جواهر الأدب وعيون الحكمة، هذه حكاية مختصرة عن المدونين والمدونات في السعودية وهي ذاتية غير موضوعية.