"ورغم أن الأخ صلاح اعترف بخطئه في ذلك فإنه مازال يكابر وينسب التقصير ظلما إلى الإمام الشهيد وهو المريد الذي يستحي أن يسأل إمامه في مثل هذا الفكر الخطير الذي أقضّ مضجعه فهل يليق من مريد في هذا المستوى من المقدرة أن يدعي وضوح الرؤية عنده عنها عند شيخه؟"
محمود الصباغ متحدثا عن صلاح أبو شادي في كتابه التصويب الأمين وكلاهما قيادي في جماعة الإخوان المسلمين في عهد الإمام البنا.
هذا المقطع يجسد مرضا خطيرا مزمنا لازم الجماعة منذ إنشائها وهو أحد أهم أسباب الكوارث الكبرى التي أصابتها على مدار تاريخها وإلى الآن.
جماعة الإخوان المسلمين في عهد الإمام البنا كانت تحوي قسما يسمى الوحدات يعنى بنشر الدعوة بين العسكريين والشرطيين وكان يقوده صلاح شادي. وقسما آخر يسمى النظام الخاص وهو جهاز عسكري مسلح يحوي مدنيين وعسكريين هدفه مقاومة الاحتلال في فلسطين ومصر وحماية الجماعة إذا هددها خطر ما وكان يقوده عبد الرحمن السندي ومحمود الصباغ عضوا في قيادته العليا. اقترح عضوان عسكريان في الإخوان -أي أنهما في قسم الوحدات- على صلاح شادي ضرب قطار إنجليزي بالقنابل، وقد كانا عضوين في النظام الخاص دون أن يعلم صلاح شادي بالطبع وكانت العملية من تخطيط النظام الخاص أصلا.
| استخدم محمود الصباغ لفظ "المريد" لوصف صلاح شادي ووصف الإمام البنا بـ"الشيخ"، هذان المصطلحان كانا يستخدمان بالأساس في أوساط الطرق الصوفية |
وبالفعل قام علي بدران وحسن بدران من الطيران وإبراهيم بركات من الصيانة باستهداف قطار إنجليزي يحمل جنودا عند إبطائه في منطقة الشرابية بالقاهرة. وبعد التنفيذ قابل صلاح شادي عبد الرحمن السندي الذي بين له أن العملية من تخطيط النظام الخاص وأن المنفذين يتبعانه. فلم يصدق صلاح شادي وظن أن هذا مجرد ادعاء كاذب من عبد الرحمن السندي لإظهار نفوذه وقوته. وهذا الظن هو ما عناه محمود الصباغ بقوله " الفكر الخطير الذي أقض مضجعه ". وفي هذا المقطع ينتقد محمود الصباغ سلوك صلاح شادي حيث ترك نفسه فريسة للظن السيء في أخيه المسلم ولم يرجع إلى المرشد لسؤاله عن الواقعة ليستريح باله ويعرف هل يكذب السندي عليه ويدعي أم لا.
استخدم محمود الصباغ لفظ "المريد" لوصف صلاح شادي ووصف الإمام البنا ب"الشيخ"، هذان المصطلحان كانا يستخدمان بالأساس في أوساط الطرق الصوفية التي كانت المعبر الأساسي الأوسع انتشارا عن النشاط الديني قبل إنشاء جماعة الإخوان المسلمين و إلى الآن يتبعها قطاع كبير من الشعب المصري. حيث يصير من يريد الالتحاق بطريقة معينة تابعا مطيعا لشيخ هذه الطريقة لا يملك من أمره شيئا يرجع إليه في كل شيء ولا يستطيع عصيان أوامره حتى وصف أحدهم المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله!!.
يبدو الصباغ هنا متأثرا بهذه المعاني التي كانت مألوفة لدى المجتمع المصري بسبب انتشار الطرق الصوفية وقتها. ليظهر حجم المشكلة بشكل أوضح يجب التعريف بمحمود الصباغ. هو أحد خمسة يقودون النظام الخاص الذي هو الجهاز الأمني العسكري الاستخباري الذي ينهض بمهمة مقاومة الاحتلال وحماية الجماعة. بما يتطلبه ذلك من عقلية محترفة تتبع القواعد الصارمة المنظمة لعمل مثل هذه المؤسسة وتتجاوز مثل هذه المفاهيم التي تختلط بها الخرافة عن كرامة شيوخ الطرق ومكانتهم التي لا تمس.
إنه يستنكر أن يدعي صلاح شادي أن لديه رؤية أوضح من المرشد العام!! فالواجب عليه أن يسأله ولا يحاول أن يتخذ موقف من عبد الحمن السندي أو التحقيق في القضية دون الرجوع إلى المرشد فهو الأوضح رؤية بين الجميع !!. وبالتالي فهو ينفي أهم قاعدة من قواعد المؤسسية وهي الرقابة والمحاسبة لكل الأفراد بما فيهم القيادة عن جماعة الإخوان المسلمين. فالواقع أن السؤال الذي يطالب الصباغ بالقيام به هو سؤال الاستفسار لا سؤال المحاسبة كما يظهر من السياق. فإذا كان هذا حال من هو في موقعه فما بالكم بباقي أفراد الجماعة ؟!!.
من السهل تخيل كيف كانت نظرتهم للإمام البنا وكيف تم توارث هذه النظرة إلى من يشغل موقع المرشد العام عبر أجيال الجماعة. إن هذه النظرة التي تتعارض تماما مع المؤسسية والشورى التي يجب أن تتصف بهم جماعة بحجم وتأثير ومسئوليات الإخوان المسلمين وذلك منذ إنشائها تبين كيف كانت هذه اللمحة التي تسللت من الطرق الصوفية إليها مرضا عضالا لم تشف منه إلى الآن.
لقد كانت " حقيقة صوفية" إحدى صفات متعددة وصف بها البنا الجماعة وأراد بها أن يجمع كل ذوي الميول المختلفة في مشروع حركي واحد يهدف إلى نهضة الأمة متجاوزا الحساسيات التي يفرضها اختلاف الرؤى ووجهات النظر التي يرى بها الناس الإسلام. أراد أن يجد كل مسلم بهذا الكيان ضالته وأن يكون مصبا لجهود كل أبناء الأمة الراغبين في رفعتها. ولكن سهمه لم يصب، فقد جاء محبي الطرق الصوفية حاملين لفكرتهم عن قائد الحركة باعتباره "شيخ طريقة " واجب الطاعة ولا يجوز رد رأيه ورغم أن البنا كان يعمل الشورى إلا أن هذه النظرة ظلت سيفا مسلطا عليها يستطيع قتلها في أي وقت حيث أن الشورى " معلمة "! إنها آثار المرض الصوفي الطرائقي الذي تسلل إلى أساس بناء الجماعة عند إقامته.
| إن غياب المؤسسية التي هي أساس الخلاف الحالي بين شقي جماعة الإخوان المسلمين مرده إلى وجود قيادات متمسكة بمقاعدها |
لقد فجر الانقلاب العسكري الذي تم في مصر والمذابح التي تلته الخلاف بعنف بين الثوريين في الجماعة والإصلاحيين كما لم يفعل أي حدث في تاريخها. وقد أعاد هذا الخلاف إظهار اللمحة الصوفية في منهج الجماعة بقوة. حيث لاذت بها القيادات التاريخية الماكثة في مواقعها منذ زمن بعيد لمنع الصف من توجيه أسئلة المحاسبة الضرورية في ظل الكارثة المستمرة. فعمل أنصارهم على نشر مفهوم وجوب احترام "شيوخ " الجماعة القدامى وقادتها التاريخين مهما كانت الظروف وهو مفهوم " صوفي" المصدر بشكل واضح يراد به تحويل أعضاء أكبر حركة إسلامية إلى مجرد " مريدين".
ويبدو أن هذا المفهوم كان متضمنا بشكل كبير في مناهج الجماعة التربوية حيث نجح هذا الأسلوب في استقطاب قطاع كبير من شباب ورجال الجماعة الذين شاركوا في ثورة أطاحت بمبارك من الحكم !!. إن الشواهد والمواقف التي تشير إلى ذلك الجانب في بناء حركة الإخوان عبر تاريخها عديدة ولكن هذا المثال شديد الوضوح حيث استخدم القيادي الكبير في نص كتابه ما لم نره إلا عند الصوفية.
إن غياب المؤسسية التي هي أساس الخلاف الحالي بين شقي جماعة الإخوان المسلمين مرده إلى وجود قيادات متمسكة بمقاعدها وترفض إجراء انتخابات جديدة رغم أن ما حدث يوجب تغيير من أداروا المشهد من قبل لأن من صنع المشكلة لا يمكن أن يكون جزءا من الحل. وهذه القيادات تستند إلى قطاع كبير "صوفي التربية" يؤمن أن تغيير هذه القيادات بالانتخابات إهانة لها، وهم شيوخ موقّرون.
بالتالي الخطوة الأولى الأساسية لإصلاح هذا الوضع هو إدراك أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأنصارها أن رفض محاسبة القادة وتغييرهم يجعلهم كالطرق الصوفية وهي الطرق التي يعتمد عليها النظام العسكري الحالي في تخدير الملايين ويدعمها بقوة، وهي أيضا التي اعتمد عليها تاريخيا كل احتلال أو نظام استبدادي في كل البلاد المسلمة. يجب أن يحددوا خياراتهم هل يريدوا أن يكونوا مناضلين تحرير وطنهم وإسقاط الانقلاب أم "مريدين" يطوحون رؤوسهم خلف الشيخ كما قال الصباغ؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

