شعار قسم مدونات

قصتي لم تنته بعد.. بل ربما لم تبدأ

blogs - gail
حين خرجت من السجن قبل 26 شهراً، ظننت -أو ربما هكذا أكون سمعت من الناس- أن قصة الاعتقال قد تكون الخاتمة لعمل صحفي لم يدم حينها لأكثر من ثلاث سنوات، لكنني كنت مخطئاً.

يعلم الصحفي حين يؤمن بأن عمله يشكل فرقاً أن أيامه لن تكون هائنة دوماً، وأن الأذى في طريقه سيكون أمراً معتاداً، المهم هو أن يكون الأمر مستحقاً حين يحدث.

قبل خمسة أعوام ونصف انضممت للجزيرة، رأيت حينها العالم بوجه آخر، كنت صغيراً، متحمساً، ومفعماً بالأمل.

لا أريد أن يعرفني الناس بالسجين السابق، قدر ما ساهمت هذه الفترة في صناعة من أكون حالياً

شهدت في نصف عقد ما قد يراه البعض كثيراً.. ثورة في ليبيا، حرب في مالي، وانقلاب ثم مجزرة في مصر، ثم جاء الاعتقال ليكمل هذه السنوات المثيرة بتجربة أشد.

كانت طفولتي في أفريقيا حيث أرى العالم كله على شكل، وهذا المكان على شكل آخر.

نشأت مختلطاً بين ثقافات وشعوب شتى، منها استلهمت هذا الجلد، وحين وعيت على السجون كانت هذه التجارب قد آتت أكلها بإنسان عنيد شرس رأى أنه قد يهزم نظاماً بأكمله، والحمد لله كان الأمر مشهوداً.

لا أريد أن يعرفني الناس بالسجين السابق، قدر ما ساهمت هذه الفترة في صناعة من أكون حالياً، إلا أنني لا أريد أن تكون تلك نهاية الحكاية.

أريد أن أرى العالم أكثر، أتعلم حتى اللحظة الأخيرة، وأن أسمع أكثر مما أتكلم، ولكي تكون هذه الحكاية مختلفة يجب أن تكون تفاصيلها بشكل آخر.

أعمل حالياً في تجربة أراها الأهم في عمري، فيها من التحدي والمصاعب قدر ما قد يكون مضى سابقاً، حيث أقترب من مساحات لم أعهدها بصبر يتطلبه الوصول إلى ما أريد.. وأؤمن أن لكل شيء وجوهاً عديدة. لا أفترض أن الحقيقة معي وحدي، ولا أن ما أقوله وحده القول الفصل.

اختلف الناس في مشاربهم فالجميع يحب الاستماع للقصص، هكذا نشأنا أطفالاً، وهكذا نقضي وقتنا كباراً

وكما هي شاسعة المساحات على هذا الكوكب، سنعمل أن يكون لأشكالها مكان بين ثنايا ما نسعى إليه، أياً كان مكانها.. غابات شاسعة تحت خط الاستواء، أو جبال شاهقة بين السحاب، وحتى تحت الأرض حيث قد لا تتوقع وجود حياة.

حكايات الناس لا تنتهي، قدر ما مشيت على الأرض ستجدها، ومهما تشابهت حكاياتهم فلكل واحد منهم وجه آخر للقصة، مهما اختلف الناس في مشاربهم فالجميع يحب الاستماع للقصص، هكذا نشأنا أطفالاً، وهكذا نقضي وقتنا كباراً، نختلف بين المستمع والراوي لكننا لا ننكر حبنا لها.

هل سأكون هنا بعد عام؟ هل سأكمل حيث أنا؟ هذا أمر حتماً لا أعمله، ولا أريد التفكير فيه، ومهما كان في القدر من أشياء فهي لا شك أفضل.
 

في كل الأحوال هذا لا يهمني، يهمني أن أكمل حكايتي..
حكايتي التي لم تنته بعد.. ومن يعلم، ربما لم تبدأ بعد..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.