عندما وصفت بالإرهابية..

قبل عام من اليوم قررت أن أقضي عطلتي الربيعية بالعاصمة الفرنسية باريس، لم تكن تلك زيارتي الأولى للبلد، ولكنني شعرت وكأنها كذلك بعد الأحداث المتوالية التي عاشتها بلاد "دوغول".

منذ أن وطأت قدماي مطار"باري أوغلي" لاحظت أن هناك شئ متغير، حتى نظرة الفرنسيين لي كفتاة محجبة كان فيها نوع من الخوف والقلق؛ تقدمت للجلوس في غرفة الانتظار بعد أن تم تفتيشي واستجوابي من طرف الشرطة الفرنسية بطريقة مبالغ فيها.

لكن ماترك الأثر القوي داخلي قيام امرأة فرنسية بإبعاد طفلتيها من جانبي بعد أن همست لهما أنني إرهابية وعليهن أن لا يقتربن من مثيلاتي ممن يرتدين الحجاب، ومن مثل هذه المواقف تتكون الصورة النمطية للفتاة المحجبة.
 

لابد أن نعالج إشكالية نظرة الغرب للفتاة المحجبة وأسباب تكون تلك الصورة المغلوطة عنها

أردت وقتها أن أصرخ بأعلى صوتي أنني محجبة تحب الحياة والموسيقى والسفر وتكتب للحب والإنسان، كنت أريد أن أسمعهم قصيدتي التي كتبت عند وقوعي في حب باريس من الزيارة الأولى، لعلي أسقط ذلك الإتهام الباطل بالإرهاب لمجرد أنني محجبة.

تباردت إلى ذهني وقتها العديد من التساؤلات عن من منا على حق ومن منا على باطل؟ لماذا غفرنا جرائمهم ضد أجدادنا في الجزائر والمغرب ولم يغفروا لنا جرائم لم نرتكبها حتى؟ ولماذا نستقبلهم بالكلام المعسول والورود في مطاراتنا وكأنهم ملائكة الله في الأرض ويستقبلوننا وكأننا شياطين حمر ملطخة بالدماء؟

ومنه كان لابد أن نعالج إشكالية نظرة الغرب للفتاة المحجبة وأسباب تكون تلك الصورة المغلوطة عنها، ولماذا تظل نظرة الغرب لنا كمحجبات سطحية يختصرونها في الحجاب ويجهلون أدوارها الفعالة؟

لقد لازمت صورة المحجبة المضطهدة والمقيدة المعقدة تصورات الغرب عن النساء المسلمات بصفة عامة لأسباب كثيرة، ربما معرفتهم المحدودة بأحكام الدين الإسلامي الصحيح وتقاليد وأعراف المجتمعات الإسلامية المحافظة إذا تعلق الأمر بالمرأة، لكن مازاد من ترسيخ لهذه الرؤية المحدودة ما شهده الغرب من أحداث إرهابية متوالية، إستغلها الإعلام الغربي لكي يؤكد صدق وصفنا بالإرهابيات ويحاولون تبرير وتغليف ثقافة التمييز العنصري باسم احترام التنوع والاختلاف.

إن تعرض المجتمعات الغربية لصدمات متوالية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 خلق بداخلهم العديد من التساؤلات والشكوك حول ماهية المرأة المسلمة وحول صحة الصورة المرسخة في أذهانهم، مما دفع البعض للبحث عن أجوبة لتساؤلاتهم ومحاولة إستكشاف ما وراء الحجاب.

لذلك اتجهت عدة باحثات غربيات للبحث في أسرار الفتاة المحجبة الواعية والمثقفة التي تمثل الجانب المشرق من طبيبات ومناضلات وعالمات وكاتبات الحاملات لهموم أوطانهن التي مزقتها الحروب، ليكتشفن أن الصورة النمطية التي يحملها الغرب عنا غير صحيحة.

ولكن وسائل الإعلام كان من مصلحتها أن يبقى الوضع كما هو عليه خصوصا بعد إسلام العديد من الغربيات وارتدائهن للحجاب، الشيء الذي يهدد ما بناه الغرب لسنوات عدة، وبالتالي لم يعد التركيز منصب فقط على غطاء الرأس والشعر والجسد، ولم تعد الفتاة المحجبة تختصر في بضع سنتمترات من الثوب.

إننا كمحجبات مثقفات خلقنا من الضعف قوة ومن القيد حرية

لماذا لا يسألون أنفسهم عن عدم تعاملنا مع بناتهم بالمثل عندما يأتون للسياحة في بلداننا؟ لماذا لا نختصرهن أيضا في قطعة قماش؟ الجواب سهل جدا إذا ما رجعنا إلى علاقتنا مع الغرب، ففي الوقت الذي كانوا يحذرون فيه أبناهم منا ،كنا نحن ندرس لغاتهم وثقافتهم وكيفية تمجيدهم ،كان همنا الوحيد السعي للحصول على رضى الغرب، لذلك ظلت نظرتهم لنا سطحية ونظرتنا لهم معمقة.

لقد حان الوقت لنسلط الضوء على المرأة المحجبة كفاعلة داخل المجتمع وفي وسائل إعلامنا العربي أولا ،ثم نبحث عن تحسينها عند الغرب،اليوم الفتيات المحجبات يمثلن العدد الأكبر من طلبة الجامعات وبعضهن بدأ في مواجهة تقاليد المجتمع من أجل تحقيق حياة مستقلة والسعي وراء طموحاتهن المهنية قبل التفكير في العنوسة والزواج.

والثابت اليوم أن جيلنا لا يفكر بنفس طرق أمهاتنا، وأننا بعيدات كل البعد عن تلك الصورة السائدة ومؤثرات إلى درجة القدرة على تحقيق التغيير ولم نعد ذلك الكائن المسير الذي يكتفي بإنجاب الأبناء والقيام بشؤون البيت.

إننا كمحجبات مثقفات خلقنا من الضعف قوة ومن القيد حرية، ومن يصفنا بالإرهاب بناءا على غطاء رأس يجب أن يعيد النظر في فكره العنصري الأشد ظلما من الإرهاب نفسه، ليبقى الحجاب حرية إختيار وجزء لا يتجزأ من الفتاة المسلمة وتأكيدها لذاتها القومية والثقافية والإنسانية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة