خارج فضاء الغرفة

أزعم أن أجمل ما في السياحة بالأرض، فضلا عن هجرة الروتين اليومي والاستمتاع بما تمتاز به بلدان أخرى من طبيعة ومأكل وتسوق، هو "لتعارفوا".. التعرف على ثقافات جديدة، وعادات مختلفة، وطرق عيش لم تعتدها.. قد نتقبل بعضها وقد نشمئز من أخرى، لكننا في النهاية نراها عيانا ونعايشها، فنوقن أن في العالم من يعيش بخلاف معيشتنا وقناعاتنا.

يظن بعضنا أن ما اعتاد عليه من مأكل وملبس وعادات اجتماعية وطريقة عيش هو الحق المطلق، ويستهجن ما دون ذلك، لأنه عاش عقودا لا يرى حوله إلا هذا التقليد، فأنّى له أن يخطر بباله أن هناك من يستنكر تقاليده وتطيب له تقاليد تخالفه، حتى لو كان ما اعتاده هو النادر على هذه الأرض.

علينا أن نخرج من طوق الحكم على المواقف السياسية بمنطق الخطيئة المطلقة

وإذا كان العالم يُشبّه بقرية صغيرة، فإن الخروج من المحيط الضيق إلى فضاء العالم، كمن يخرج من غرفة في بيت صغير إلى بيوت أخرى تقطنها شعوب مختلفة. فيستفيد من هذه الرحلة إلى الخارج بقدر ما يبحث عن هذا البعد المعرفي في ترحاله، وبقدر ما يتنبه إلى أن الدنيا واسعة ومتلونة، ولا تدور حوله وحول قناعاته وما اعتاد عليه.

النظرة إلى الآخر وتقبل عاداته وتقاليده علينا أن نسقطها على قراءاتنا لأفكار الآخرين ومواقفهم ونظرتهم للأحداث، فنخرج من طوق الحكم على المواقف السياسية بمنطق الخطيئة المطلقة والحق الذي لا يأتيه الباطل. فهذا المنطق إن لم يصدق في شئون الدين فكيف نعمل به في السياسة واجتهادات البشر القائمة على المصلحة؟.

وليس المقصود هنا أنا لا نختلف في المواقف والقناعات تجاه الأحداث التي تمسنا وتؤثر في حياتنا، فهذا يخرج بنا عن المنطق والفطرة، لكن ينبغي ألا يؤدي اختلاف منطلقاتنا ومصالحنا السياسية أو الاجتماعية وحتى الاقتصادية إلى استئصال الآخر المخالف من حيز وجودنا، فننبذه ونسل عليه سيوف ألسنتنا، وكأن الأرض لا تتسع إلا لطرف واحد.

المهم أن نخرج من غرفتنا التي نحبس أنفسنا بها ونجول في غرف الجوار

وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تفتح أفاقا واسعة أمام المبحر في هذا العالم الجديد، فيجد فيها من كل لون وفكر وسياسة فإن ما يتداوله الناشطون تختلط فيه القناعة الذاتية بعرض ما ينتجه الآخرون للعلم والمعرفة. وبالتالي يصعب التعرف على مواقف الناس بدقة، ولا تتيح هذه الوسائل ما يكفي من مساحات النقاش لعرض الأفكار المعمقة من أصحاب الرأي الذي يستحق القراءة ويؤثر في القناعات.

المدونات تتجاوز إشكالية التواصل الاجتماعي، فهي بحق سوق عكاظ تزدحم فيه الأفكار والقصص والقناعات والآراء في مختلف القضايا، يعرضها أصحاب أقلام لامعة أو واعدة، تتبارى في تقديم أفضل ما عندها وتجوده. وهنا يكون التأثير في الرأي العام.

لكن يبقى المهم أن نخرج من غرفتنا التي نحبس أنفسنا بها ونجول في غرف الجوار من الأفكار والمذاهب والسياسة بروحية منفتحة وحساسية أقل، للتعرف على الآخر وقناعاته نتبادل معها الرأي والجدال لا العنف والسباب.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة