تركيا تتجه لإعادة صياغة علاقتها بالغرب بعد الانقلاب

يبدو أن تركيا تتجه نحو إعادة تقييم علاقاتها بالغرب بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، وقد تتخذ بعض المواقف التي تزيد الشقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، دون أن تذهب إلى حد القطيعة مع بيئة تعتبر نفسها منضوية في إطارها الجيوسياسي وملتزمة بقيمها الديمقراطية مع الحفاظ على الثقافة العامة للشعب التركي، وهي الثقافة الإسلامية.

ورغم الاتهامات التركية العنيفة للغرب بالتورط بالانقلاب الفاشل، فإن أنقرة ما زالت تسعى إلى عدم الفكاك عن بيئتها حتى وإن بدت هذه الأخيرة أنها على غير وفاق معها، حيث تحاول الدول الغربية مواءمة البنية السياسية في دولة تتمتع بكينونة مميزة عن غيرها في إطار الإقليم وتعتز بتاريخها وثقافتها وتحاول بناء دور مميز لها في المنطقة وفقا لرؤية حزب العدالة والتنمية الحاكم.

أردوغان يملك التهديد بتقليص حرية الأميركيين في قاعدة إنجرليك وحصر التعاون العسكري معهم ضمن حلف الناتو بمواجهة تنظيم الدولة في سوريا والعراق

خيط رفيع للعلاقات

وتتحسب أنقرة -إن هي ذهبت بعيدا في الاتهامات- لخسارة حليف مهم لها وقوة عظمى يحسب لها حساب في المنطقة. ولكن هذا الحليف في المقابل يحاول تقزيم دور تركيا في المنطقة إلا في إطار ما يجعله خادما مطيعا لواشنطن وسياساتها في المنطقة.

ليس هذا فحسب، بل تحاول واشنطن إغراق تركيا (بالإضافة إلى إيران والسعودية) بالملف السوري عبر رفض إقامة منطقة عازلة مع سوريا ودعم الأكراد الذين يشكلون تهديدا لتركيا، والترتيب مع روسيا لضرب المعارضة المعتدلة المدعومة من أنقرة لتحقيق معادلة لا غالب ولا مغلوب مع النظام السوري. ولكن استدارة أردوغان الأخيرة بإعادة العلاقات مع إسرائيل وتفكيك الأزمة مع روسيا، أجلت تنفيذ مخطط واشنطن، وعجلت بمحاولة استبعاده من المعادلة السياسية في المنطقة وإعادة تركيا لبيت الطاعة الأميركي!

ويملك أردوغان، في إطار السعي لتثبيت دوره وقصقصة أجنحة الانقلابيين والسعي لاستلام فتح الله غولن، التهديد بتقليص حرية الأميركيين في قاعدة إنجرليك الحيوية للأميركيين في المنطقة، وحصر التعاون العسكري معهم ضمن حلف الناتو بمواجهة تنظيم الدولة في سوريا والعراق.

زهد في الأوروبيين
وقد لا ترى تركيا جدوى من الاستمرار في التعويل على عضوية الاتحاد الأوروبي الذي وقفت مطولا على أبوابه منذ 2005 دون فائدة لأسباب دينية وجيوسياسية، إذ إن انسحاب بريطانيا منه أدى وسيؤدي إلى تراجع دوره العالمي.

وقد يدفع هذا بأنقرة للتوسع في علاقاتها الاقتصادية مع روسيا لنقل النفط عبر بحر قزوين، كما سيكون تعزيز هذه العلاقة مدخلا مهما لمواجهة التشدد الأميركي مع أنقرة، وذلك عبر محاولة تحييد موقف موسكو من طموحات الأكراد، وتعزيز التعاون بينهما في مواجهة تنظيم الدولة.

كما قد تجد أنقرة وطهران نفسيهما مضطرتين لتسوية خلافاتهما في سوريا عبر الوصول لتفاهمات لوضع حد للصراع الدائر هناك. وهذا إن حصل فسيعزز موقف الدولتين إقليميا ودوليا.

نستشرف مواجهة سياسية صعبة ومعقدة بين الغرب وتركيا، حيث إن محاولة الانقلاب كشفت عن تربص أميركي غربي بتركيا العدالة والتنمية

وقد تدور معركة إعلامية كبيرة بين تركيا وأوروبا على خلفية حقوق الإنسان واتهامات تركية متوقعة لتورط بعض الدول الغربية في دعم الانقلاب، إلا أن الطرفين سيحافظان على حد متوسط من العلاقات بينهما.

مواجهة صعبة قادمة
ولذلك نستشرف مواجهة سياسية صعبة ومعقدة بين الغرب وتركيا، حيث إن محاولة الانقلاب كشفت عن تربص أميركي غربي بتركيا "العدالة والتنمية". وستشهد الفترة المقبلة مواجهات وربما مؤامرات من نوع مختلف تستهدف القيادة التركية التي يجب أن تتحلى بالحكمة والدهاء الكافيين لمواجهة التحديات المقبلة والحفاظ على قبولها في العالم الغربي مع سياسات منفتحة مع المحيط.

والمهم أن تركيا خرجت من الانقلاب الفاشل قوية ومحصنة ومطلقة اليدين في ملاحقة أنصار غولن، وخصوصا تغلغله في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

وعلى مستوى الجيش، فسيضطر أردوغان إلى إعادة الكماليين الذي استبعدهم سابقا ضمن كشف مؤامرة "أرغينكون" إلى أن يتمكن في المدى القريب من بناء قوة مخلصة للديمقراطية في البلاد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال مغردون إن تركيا ستتخلص من "دكتاتورها" وحكم الإخوان "انتهى وذهب بغير رجعة"، ومن "يقف ضد سيادة وإرادة الشعب المصري ستكون نهايته بهذه الطريقة".

نجح الأتراك في إجهاض محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذها عناصر في الجيش، وقد بدأ الانقلابيون خطتهم يوم الجمعة 15 يوليو/تموز 2016 على الساعة 22:00 بالتوقيت المحلي (19:00 توقيت غرينتش).

كالنار في الهشيم انتشرت مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي في الساعات الأولى من محاولة الانقلاب الفاشلة بتركيا، وقد حظي بعض المقاطع بنصيب أكبر من التداول.

الأكثر قراءة