الغرب وتركيا وتحطيم النموذج!

إن ردود الأفعال من الدول الغربية الكبرى على محاولة الانقلاب التي وقعت في تركيا يوم 15 تموز/يوليو 2016 تشير إلى حجم الامتعاض الكبير من عدم نجاحها، وخوفهم من أن يؤدي ذلك إلى ترسيخ سلطة الرئيس أردوغان والتي لطالما شعروا بالقلق منها.

وهذا القلق لا يتمحور حول شخص الرئيس أردوغان بقدر تمحوره حول النموذج الذي يمثله، والمشروع الذي يسعى إلى تحقيقه ويهدف إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي لتركيا عبر تبني نموذج إسلامي ديمقراطي للحكم. 

للوهلة الأولى ربما يعتقد المرء أن ردود الأفعال هذه تتعارض مع المنطق العام الذي يحكم علاقة تركيا بالغرب، فلطالما كانت تركيا دولة أوروبية بحكم الجغرافيا والتاريخ، بالإضافة إلى ارتباطها الوثيق به عبر تحالفات أمنية كحلف الناتو الذي شكلت فيه تركيا ركيزة أساسية في سياسة احتواء الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة.

كراهية الغرب للتجربة التركية لا تنبع من كونها ديمقراطية وحسب بل من كونها تفرز الإسلاميين

هذا فضلا عن أهمية تركيا في صد موجات المهاجرين القادمين من الجنوب والشرق، وإذا كان هناك تهديد حقيقي تواجهه أوروبا على المدى القصير فهو ليس القنابل النووية الروسية وإنما المهاجرون الحفاة. 

وهذا يقود إلى اعتبار شديد الأهمية هو أن استقرار تركيا يدخل في نطاق المصالح الحيوية للدول الأوروبية وأميركا، ولكن هل راهن الغرب فعلا على أمن واستقرار تركيا من خلال رغبتهم المكبوتة بنجاح الانقلاب، والتي عبر عنها سيل الانتقادات الهائلة التي جاءت على لسان الكثير من القادة الغربيين بمختلف مستوياتهم ضد إجراءات الحكومة التركية فيما يخص المتهمين بالضلوع في محاولة الانقلاب؟

هناك افتراض تدعمه إلى حد كبير على الأقل المجريات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، وهو أن الثورات الشعبية هي التي تقود إلى عدم الاستقرار والفوضى وليس الانقلابات العسكرية.
 

في كل من اليمن وليبيا وسوريا قادت الثورات إلى دول فاشلة، وتمزق للنسيج الاجتماعي، وحروب أهلية، وهجرة للسكان غير مسبوقة. في المقابل حافظ الانقلاب العسكري في مصر على بنية الدولة، واستقرار نسبي للبلاد بالرغم من الانتهاكات الهائلة التي ارتكبها في مجال حقوق الإنسان.

في تركيا كان من الممكن لو نجح الانقلاب أن يتكرر النموذج المصري للانقلاب بحيث يُحْكِمُ الجيش التركي قبضته على السلطة في البلاد تحت ذريعة حماية الدولة ونموذجها الديمقراطي، مع المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار، والتخلص تماما من النخبة الإسلامية الحاكمة التي يتزايد القلق الغربي منها يوما بعد يوم، أو بتعبير روبرت د. كابلان يزداد "صعوبة تحمُّل الغرب لوجودها".

أثبت الغرب من خلال مقاربته في التعاطي مع مجريات المنطقة أنه مازال يفاضل بين الأمن والاستقرار من جهة، والديمقراطية من جهة أخرى. بمعنى أن دعم الدكتاتوريات العسكرية التي تحافظ على الاستقرار، وتضمن التبعية للغرب أفضل من ديمقراطيات قد تأتي بأنظمة حكم معادية للغرب أو مناهضة له على أقل تقدير.

وبناء على ذلك، للمرء أن يجادل بأن الغرب لم يكن ينظر إلى الانقلاب في تركيا كمقوض لاستقرار البلاد، بل كوسيلة لعودة تركيا لسابق عهدها من التبعية، وهو مما لا شك فيه يخدم المصالح الغربية بشكل أكبر.

يفسر ما سبق جزء من الغموض حول السلوك الغربي تجاه تركيا، ولكن يبقى هناك تساؤلات حول الأسباب الأخرى التي تكمن خلف كراهية الغرب للنموذج الديمقراطي في تركيا؟
 

في البداية لابدَّ من إقرار حقيقة أن كراهية الغرب للتجربة التركية لا تنبع من كونها ديمقراطية وحسب بل من كونها ديمقراطية تفرز الإسلاميين. ويدرك الغرب تماما أن جوهر النموذج الإسلامي في الديمقراطية قائم على الاستقلالية، ونبذ كافة أشكال التبعية سواء للشرق منها أو للغرب.

وتملك تركيا كافة المقومات المادية لتحقيق هذه الاستقلالية، وإذا تمت إضافة نموذج حكم ديمقراطي إسلامي لهذه المقومات تصبح الاستقلالية قضية لا يمكن غض الطرف عنها من قبل الغرب خصوصاً مع تحول تركيا لنموذج قابل للتكرار في دول أخرى كثيرة في العالم الإسلامي الكبير. 

إفشال النموذج في تركيا لا يعدُّ ترفا في السياسة الغربية بل أحد أهم الأهداف الإستراتيجية
 
وبالرغم من موجة "الإرهاب" التي تضرب العالم، واتهام الإسلام الأصولي بالمسؤولية عن انتشاره، فإن الغرب لم يُصب بلوثة الانتباه الانتقائي، وهي ظاهرة يعرفها علماء النفس وعلماء الأعصاب بأنها "نزعة لدى البشر الذين يمتلكون التصميم الكبير على التركيز بشكل مكثف على صور معينة إلى درجة يصبحون فيها غافلين تماما عن الصور الأخرى الموجودة على مرمى بصرهم". فمازال الغرب يركز على التهديد الحقيقي لنموذجه الحضاري والمتمثل بالإسلام السياسي. 

والحقيقة أن الإسلام الأصولي لا يشكل تهديداً حضاريا للغرب، بمعنى أن النموذج الثقافي الذي يقوم عليه هذا النوع من التدين لا يشكل بديلا عن النموذج الحضاري للغرب. هذا لا ينفي وجود نوع من التهديد في النموذج الأصولي الذي يتبنى وسائل الإكراه العنيفة في مواجهة خصوصه، ولكن الغرب المتطور كثيرا في التكنولوجيا القتالية قادر على التعامل مع هذا التهديد والتقليل من فعاليته. هذا مع ضرورة عدم إغفال أن الغرب يستخدم العنف الأصولي وسيلة لشيطنة الإسلام في محاولة منه للحد من التمدد الإسلامي في القارة الأوروبية. 

في المقابل، يشكل نموذج التدين الذي يمثله الإسلام السياسي التهديد الحقيقي للنموذج الحضاري الغربي بما يمثله من قدرة كبيرة على التكيف مع الخصائص العصرية في النهوض والانتشار. فهذا النموذج يتبنى القوة الناعمة وسيلة للتغيير، ويؤمن بالمؤسساتية منظومة عمل وممارسة، وهو بذلك قادر على بناء نموذج حضاري مستقل، قادر على المنافسة والتأثير. 

إن الغرب الذي يراقب بحذر زيادة عدد المساجد في عواصمه بينما تتقلص أعداد الكنائس يدرك التهديد الحضاري الذي يشكله نموذج الإسلام السياسي بالرغم من حالة الوهن في العالم الإسلامي، ويتساءل كيف سيكون الحال مع هذا النموذج إذا ما كان له ظهير قوي في العالم الإسلامي متمثل بنظام حكم ديمقراطي؟ ينظر الغرب من حوله فلا يرى غير تركيا تتبنى هذا النموذج وتعَدُّ مثالا عليه، ونظرا للقرب الجغرافي يصبح التهديد الذي تشكله تركيا متعاظما.

وعليه فإن إفشال هذا النموذج في تركيا لا يعدُّ ترفا في السياسة الغربية بل أحد أهم الأهداف الإستراتيجية التي لا بدَّ من تحقيقها على المدى القريب، فالإسلام السياسي سوف يبقى يتمتع بهامش كبير من القوة ما دامت تركيا ديمقراطية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

البرلمان التركي المؤسسة التشريعية بتركيا؛ تأسس بشكله الحالي قبل نحو مئة سنة وريثا لنظيره في السلطنة العثمانية، ويشكل الحزبُ الأكثر مقاعد فيه الحكومة ويقود الدولة. قـُصف في انقلاب يوليو/تموز 2016.

كشف مخطط الانقلابيين بتركيا الذي حصلت عليه الجزيرة تفاصيل الانقلاب العسكري يوم 15 يوليو/تموز 2016 الذي كان يتضمن إعلان حالة الطوارئ وقتل أو اعتقال الرئيس رجب طيب أردوغان.

استفتاء جرى يوم 23 يونيو/حزيران 2016، ونزلت نتائجه بردا وسلاما على مؤيدي الخروج من حضن الاتحاد الأوروبي، وصواعق على مؤيدي البقاء الذين حذروا من مستقبل أسود ينتظر اقتصاد بريطانيا ووحدتها.

الأكثر قراءة