الطريق إلى الكيلو 26

 
لم يكن اختياري للكيلو 26 كناية عن حادثة ما أو ظاهرة تفاقمت فوجبت دراستها، بل هو طريق مرتبط بنا ارتباط السحاب بالماء، لا يمر أحد منه مرور الكرام إلا إذا كان يملك في هذه الدنيا حظا وافرا. أردت الحديث عنه من أجل التاريخ، وليس من أجل حاجة أكنها في نفسي. بسم الله وإلى الوطن نكتب.

في البداية، مئات الرجال في زي موحد، داخل صفوف منظمة، تجري في خطوات منتظمة كأنهم في موسم الحج، ترى بعينيك لونهم المائل إلى السواد بسبب أشعة الشمس، مثلما تسمع بوضوح صيحاتهم.

يا جريد النخل العالي
يا مرفرف في العلالي
قول لأبويا وعمي وخالي
ابنك بطل الصعقة يا غالي
 

كنا نكتم المشاعر بداخلنا حتى لا نتعرض للأذى، والأذى في تلك الحالة لم يكن بدنيا أكثر منه نفسياً

للحظات توقف بنا الوقت كنا نشاهد المشهد بشيء من الصدمة، الآن وليس بعد سوف نفقد حريتنا. بشيء من البشاشة استقبلنا "صول" حاول بابتسامته وأسلوبه في السخرية المعفاة من الحياء، امتصاص الرهبة الظاهرة على وجوهنا، فقال "لا تقلقوا أنتم لستم هنا من أجل تدمير الدبابات أو إسقاط الطائرات، حتى أنا لم آت هنا من أجل البلاد ولكن من أجل المرتّب، فهنا بالنسبة لنا مكان أكل عيش". و طلب من كل شخص أن يفتح عقله، "فكلمة نعم وحاضر تريح الجميع بمن فيهم أنت، وكل عيش وقضّي جيش".
 

ثم وجه حديثه إلى الأعداد القليلة من المؤهلات العليا فقال: هنا لا يهم إذا كنت تحمل الدكتوراه أو الهندسة أو أي شهادة أخرى، أنتم بالطبع أحرص الناس على تمضية فترة التجنيد بسلام دون خدش في الملف، فمنكم من يريد الهجرة ومنكم من يريد السفر للخارج، وحتى إن كنت تملك "واسطة" تتيح إليك فرصة للعمل هنا فإن كل تلك الشهادات ليست بأهمية شهادة إنهاء الخدمة.

مر الوقت في شيء من الهدوء النسبي، الآن نحن مستجدون، سنتعامل على هذا النحو، ولكن علينا أن نتدرب حتى نكون مستعدين تماماً للعمل في وحدتك جيداً.. هكذا كانت معظم النصائح لنا، بالطبع حاولنا الامتثال لها ولكن الطبيعة الإنسانية وعقولنا كانت ترفض تلك الأفكار والمبادئ، لكن كل هذا لا يجدي فنكتم تلك المشاعر بداخلنا، حتى لا نتعرض للأذى، والأذى في تلك الحالة لم يكن بدنيا أكثر منه نفسياً، فالابتزاز الصريح بأن ملفك سيفتح إذا لم تنفذ الأوامر كما تُطلب منك، وقد تعرضك تصرفاتك إلى المكوث فترة أطول في هذا المكان.

لم تمر تلك الفترة كلها والحزن يخيم علينا، بل كنا نستمتع مع الأصدقاء في أوقات الراحة والطوابير، وحتى في أوقات التكدير وليس هنالك أكثر منها.
 

دائماً ما كنت أتساءل ماذا كان يقصد جورج أورويل في روايته 1984 بالأخ الأكبر؟ هل كان يقصد بها فقط الشخص الحاكم، أم كان يقصد بها المنظومة بأكملها؟ بالطبع وصلت إلى إجابة ترضي عقلي بأنه يقصد المنظومة، كل من هو أقدم منك كان أخا أكبر عليك وما أكثرهم.
 

يوم من التكدير المتواصل في أشعة الشمس العمودية على رؤوسنا، تحررتُ من مخاوفي وسألت أحد الإخوة الأكبر عما نفعله هنا وماهية تلك المؤسسة؟

قال بكل بساطة: من أجل حماية الوطن!
فقلت له: وكيف سنحمي وطننا إن كنا لا نتدرب سوى على التكدير وزحف الأسرى؟!
فقال: حتى تكونوا على استعداد وجاهزية تامة إذا وقع منك شخص في الأسر!
فقلت له: أليس من الأفضل أن نتعلم كيفية القتال ثم نتعلم احتمال قسوة الوقوع في الأسر؟!
فقال: كل تلك الأمور هي ما تدربنا عليه، والأوامر تقتضي أن ننفذها ولا يصح لك كجندي أن تتحدث إلى من هو أقدم منك بتلك الطريقة!
آثرت السلامة واعتذرت له على الإزعاج وذهبت. حتى التقيت بآخر فسألته أيضاً فقال بكل وضوح "كل ما نفعله هنا ما هو إلا تهريج بشكل منظم".
 

موتك أو حياتك لا يهم أحدا، ما هي إلا ورقة سترسل إلى الأشخاص المعنيين بك

كانت اللافتات تملأ المكان، منها ما يقول لا تسمع الشائعات، حارب الشائعات، لا تجعل من عقلك سلة للشائعات.. فتذكرت قبل أن تطأ قدمي "الميري" قراءتي لمذكرات الفريق الشاذلي و قوله "إن الشائعات لا تنمو إلا في الاستبداد والدكتاتورية، فلا يكون لدى الشعوب سوى الشائعات لتعويض الديمقراطية الغائبة عنهم". بالطبع كان يقصد بتلك المقولة استبداد الأنظمة بالشعوب.
 

عندما كانت تتحدث القادة بأن بلادنا بلاد سلم وليس حرب، ووجودنا من أجل التأمين ليس أكثر، لم أقتنع في البداية، كيف والمخاطر تحفنا من كل الجهات، إذا كان صحيحا فلم يتم التعامل معنا على تلك الشاكلة؟

لكن في النهاية بدأت أستوعب الهدف، فتلك المؤسسة هي صورة مصغرة للوطن، يتم إعداد الشباب الجامح فيها من أجل أن يسير في درب الأجيال التي سبقته ولا يخرج عن المألوف، كما قال أخ أكبر بأن السبب في ثورة يناير لم يكن إلا لأن "حسني مبارك" لم يهتم بإعداد الأجيال الشابة داخل تلك المؤسسة.

مصنع به آلات تستخدم لتحويل المادة الخام إلى منتج، قد نرى تلك المؤسسات في ذلك الشكل. فالأخ الأكبر لن يرحل مع رحيلك من تلك المؤسسة، بل هو تدريب واستعداد للتعامل الطويل معه في حياتك المدنية خارجاً.

موتك أو حياتك لا يهم أحد، ما هي إلا ورقه سترسل إلى الأشخاص المعنيين بك، قد تسأل نفسك في ظل الظروف التي تعصف بالمنطقة العربية وبالعالم الآن: هل عندنا من يستطيع حمايتنا في ظل التطور الرهيب في التسليح والتدريب؟ أليس من الأفضل أن تبقى للجندي كرامته من أجل أن يدافع عن وطنه من خلالها؟ ومن المستفيد من نشر الروح الانهزامية وسط الجنود بالكذب والاستخفاف بالعقول مستغلين طاعة الأوامر العمياء؟!

وكما قال صديق لنا بعد يوم طويل شاق: اللهم أخرجنا من أرضك الواسعة التي تحاصرها الأسوار والأسلاك الشائكة.. أخرجنا منها سالمين.

انتهت والحمد لله وإن كنت أشك أن خروجنا منها كان سالماً غانماً وعلى الله قصد السبيل.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة