اغتيال الكلمة

لم أختر طريق الكتابة بمحض إرادتي، ولم أتمن في صغري أن أصبح كاتباً في مستقبلي الذي أعيشه الآن ، لطالما آمنت بأن الكتابة ليست موهبة ولا تحتاج الكثير من الكتب لإدارتها، هي ملخص تجارب الشخص وما عاناه في حياته فقط ، قد تحاصرني كلماتي في بعض الأحيان ولحظتها أجلس وحيداً متسائلاً "أكانت الكتابة لعنة وعقاب؟".

في ظل الأوضاع التي يعيشها المجتمع العربي الآن، وفي ظل حكومات أخذت تسعى لتصدير الأسلحة لا الكتب، وبناء السجون والقواعد العسكرية بدلاً من المكتبات والجامعات، أصبح أهل القلم يخجلون من قلمهم!. تحولنا ببساطة من مجتمعات مأزومة سياسياً إلى مجتمعات مأزومة ثقافياً، وسلكنا الطريق ذاته الذي يؤدي إلى الجهل في كلتا الحالتين.

إن ما يعيشه المجتمع العربي الآن لا يحتاج إلى تأثير بالسلاح بقدر ما يحتاج إلى تأثير بالكلمة، ولأن القوى العظمى في عالمنا أدركت هذا الشيء؛ حاولت بشتى الطرق اغتيال الكلمة واغتيال قائلها.

المشكلة الأعظم التي تواجه الكتّاب هي إيمان القرّاء بهم كأشخاص لا كأفكار

القائد الراحل الشيخ أحمد ياسين –رحمه الله- لم يجبر أحداً على الخضوع لتعليماته باستخدام القوة، وإنما باستخدام الكلمة فقط، وغاندي الذي استطاع تحرير شعب بأكمله من العبودية باستخدام الكلمة دون اللجوء إلى أي قوة، وغيرهم الكثير ممن أدركوا قوة الكلمة وقدرتها على التغيير.

نحن بحاجة إلى أن يغير بعض الكتّاب نمط كتاباتهم، فالكاتب قد يكون معلماً وملهماً للكثيرين دون أن يشعر بذلك، وقوة الكتاب تكمن دائماً في قوة كلمته، لم نعد بحاجة للكتابة عن أفكار مبتذلة تقيّد القارئ وتحصره في جزء معين من هذا الكوكب، بل نحتاج إلى كلمة تحرّر القارئ وتجعل منه ملهماً وكاتباً بذاته، المشكلة الأعظم التي تواجه الكتّاب هي إيمان القرّاء بهم كأشخاص لا كأفكار، وتلك أقصى مراحل العبودية.

الكاتب الشهيد غسان كنفاني هو أحد القلّة الذين كانت كتابتهم جهاداً في سبيل الحق ، ونتيجة لذلك استطاع أن يكون قدوة للكثيرين واستطاع إقناع الكثيرين بما يكتبه، جلّ ما احتاجه لذلك هو قوة كلمته فقط وإيمانه بها، وكان جزاؤه بعد كل هذا اغتياله تحت أسباب لم ندرك صحّتها إلى الآن.

بعد اغتيال كنفاني وناجي العلي وغيرهم من الأشخاص الملهمين تأثّر البعض بكلمتهم تأثراً إيجابياً وتأثر البعض بعكس ذلك، بدأ البعض بالعمل والكتابة عن أفكار الراحلين وتطويرها، وجعلوها منهجاً لحياتهم يصعب العيش بدونه، بينما بدأ بعض الكتّاب بانتقاد أفعالهم قائلين أنها أصبحت أفكاراً مبتذلة مروّجين بذلك لأفكارهم المعاصرة، منذ متى أصبحت القضية الفلسطينية وذكريات المجتمع العربي الموجعة أفكاراً مبتذلة؟!

يستطيع الكاتب أنْ يخلق ثورةً من العدم ويخمدها بكلمته فقط.

في إطار تأثر البعض بالكتّاب وانتشار الكتابة والقراءة بشكل كبير وجب التنويه على عدة نقاط، أهمّها أن لا يحاول أحد الكتابة عن فكرة لا يؤمن بها، وأن لا يصنع قرارات في كتبه لا يعيشها في حياته، فالكتابة مفصلة اللغة، واللغة هي مفصلة الحياة، فإما أن تصعد بكتابتك وإما أن تهبط بها، وقد انتشر مؤخراً الكثير من الكتّاب الذين يكتبون ما لا يؤمنون به مظهرين بذلك عكس ماهيّتهم. هل يعي الكاتب صورته الحقيقية حين يخلو بنفسه بعيداً عن الأضواء؟.

ثمّ إن إحدى المواضيع التي يجب طرحها والتي واجهتها كثيراً في مسيرتي الأدبية، وتعرضت لها عند نشري لكتبي أنّ البعض يخصّص مقاييس الأدب كما يريد هو، فالبعض ممن واجهتهم انتقدوا الكتابة الغزلية قائلين أنها خارجة عن مقاييس الأدب، كأنّ مقاييس الأدب هم من وضعوها. على الكاتب والقارئ أن يحترم كل حرف كتبه غيره، وفي حال معارضته إيّاه عليه محاورته به.

يستطيع الكاتب أنْ يخلق ثورةً من العدم ويخمدها بكلمته فقط.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

كما أن مساحة الإنسان في السجن تمتد حتى تصير مطلقا، فإن الإنسان يمتد كذلك بهذه الأحوال حتى يكون بأكثر أشكاله عريا أمامها وأمام نفسه، ليعرف الإنسان نفسه روحا، بخيرها وشرها.

إن أردت أن تقمع أحداً عن الكلام قل له "الموضوع أعمق بكثير"، أو "الموضوع ليس بهذه السطحية". قل له ذلك وأعدك أن هذه الطريقة كفيلة بإغلاق أي نقاش.

لا تعني "الصداقة الجنسية" بالضرورة وجود ممارسة حميمة ما بين الطرفين، وإن كانت تفترضها في مرحلة ما، لكنها تختلف عن علاقة الحب الكلاسيكية في مراحلها الثلاث، نشأتها وطبيعتها وغايتها.

الأكثر قراءة