ما بين التعاطف والتقمص العاطفي

blogs - Girls - Shekara

وأنا أتجول بين متاهات الفيسبوك التي لا تنتهي، وقفت أتابع منشور أحد الأصدقاء، فذكر في منشور من منشوراته أنه كان في اليوم السابق يُحَدِّث صديقاً له ويشكو له عن همومه وبعض مشاكله، لكن صديقه ذاك ما يلبث أن يقاطعه كلما بدأ يتحدث كي يخبره أنه هو كذلك حصل له كذا وكذا، ومر بتجارب شبيه بتلك وأنه وأنه..، فلم يكن يدع صديقه يكمل شكواه وبث حزنه، بل كان يسارع كي يتحدث هو عن نفسه وعن مشاكله المشابهة، كل الذي أراده صديقي هو أذن صادقة تستمع له، وقلب فسيح يتسع له، وحين لم يجد ذلك في صديقه توجه إلينا نحن جموع "المفسبكين"، لا ليشكوا لنا همومه السابقة، بل قسوة قلب صديقه الحالي.


هل لديك أحد الأصدقاء بهذا الشكل، هل تعرف أحداً تتمحور حياته حول نفسه، الذين يرون ذواتهم مركزاً للكون كله، نعم هم موجودين بشكل كبير من حولنا لكن تتفاوت نسب أنانياتهم تلك، لكن في المقابل هنالك الكثير من الأشخاص الذين -على الأقل- يتعاطفون من الآخر -أياً كان الآخر- الذين يستمعون إليك باهتمام عندما تحدثهم عن نفسك ويحسنون فن الإنصات، الذين تتحرك مشاعرهم مع همومك وقضاياك ولا يقفون فقط عند الإنصات، بل أبعد من ذلك، أولئك هم بلسم هذه الحياة.

الدموع هي الدليل الأول على التقمص العاطفي، فهي لا تكذب، هي بريد الإحساس الداخلي الذي يرسله القلب عندما يتألم.

ذلك التعاطف الجميل الموجود عند كثير من الناس ليس إلا مجرد البداية، بوابة الإنطلاق نحو مراتب الرقي الإنساني، فيجب علينا أن لا نقف عند مجرد التعاطف، بل يجب أن ندرب أنفسنا باستمرار لتخطي تلك المرحلة إلى المرحلة الأكثر كمالاً وإنسانية، إنها مرحلة (التقمص العاطفي)، أما فن الإنصات عند الإستماع فهي الباب الأساسي للولوج في هذه الرحلة، فكيف لشخص لا يحسن الإنصات أن يعرف أصلاً عن هذا العالم الغريب بالنسبة له.

في هذه الحياة، الكل مشغول بالسلم الخاص به، سلم الصعود نحو النجاح، سلم تلبية الرغبات والاحتياجات، تخيل هذه الحياة وكأنها جدار ليس له نهاية ومليارات السلالم التي ترتص بجانب بعضها، كل شخص على سلمه الخاص الذي يمثل عالمه الذي يهتم به، الجميع يستمر في الصعود كي يحقق ذاته وينجز أهدافه، لكن البعض يتعثر، والبعض يواجه مشاكل في السلم ذاته، قد يكون سلمك من النوع الجيد وسلم من بجوارك مهترئ ومتكسر، ربما ورثته أنت عن أبيك بهذه الحالة الجيدة لكن هو كان عليه أن يبنيه بنفسه من بقايا الأعواد المتكسرة.


توقف قليلاً، خذ نفساً، انظر لمن حولك، أنظر لأولئك المتعثرين في الصعود على سلالمهم، لكن مجرد النظر لا يكفي، مد يديك إليهم وساعدهم، تلك السعادة التي ستجنيها عندما تراه يصعد بكل ثقه على سلمه لن تعادلها أي سعادة، ولا حتى نشوة الإنتصار عندما تصل لقمم حياتك المنشودة.

التقمص العاطفي هو درجة أكثر رقياً وإنسانية من التعاطف، التعاطف هو أن تُظهِر للآخر استيائك أو فرحك عند سماع مصائبه أو نجاحاتك، لاحظ كلمة (تُظهِر) هنا، قد لا تكون تلك المشاعر نابعة بشكل صادق من قلبك ووجدانك الداخلي، لكن التقمص العاطفي أكثر عمقاً وصدقاً من هذا، فهو أن تتخيل نفسك في موقفه وفي حالته، ثم تشعر بنفس ما يشعر به وتحس بنفس إحساسه، إنها حالة من تغيير الأفكار والمشاعر الداخلية، حالة صادقة تعيشها وتخرج من حالتك أنت وواقعك الذي تعيشه إلى حالة الآخر وواقعه.

الكثير من الناس يمرون على ذلك المتسول دون أن يتوقفوا عنده أو ينظروا إليه نظرة إشفاق، البعض منهم يتعاطف معه ويخرج من جيبه كسرة مال صغيرة كي يطفئ بها وخز الضمير الذي ربما أزعجه في الدقائق التالية، لقد قام بذلك من أجل نفسه، كي يطرد تأنيب الضمير عن خاطره، كي يستمر في الحياة بشكل طبيعي دون أن يعكر شيء مزاجه، لكن القلة القليلة سيتعاطفون مع تلك الحالة لكن بشكل مختلف.


تحية لتلك القلوب الشفافة، التي تسمح بعبور آلام الآخرين إليها، تلك القلوب التي تتلون مع ألوان الآخرين، وتتشكل حسب أفراحهم وأتراحهم.

الدموع هي الدليل الأول على التقمص العاطفي، فهي لا تكذب، هي بريد الإحساس الداخلي الذي يرسله القلب عندما يتألم، أما الابتسامة الصادقة، التي تتشكل رغماً عنك، حتى وإن حاولت إخفائها ومداراتها، فهي بريد آخر للمشاعر الداخلية الصادقة، المتعاطف قد يبتسم ابتسامة مصطنعة، ابتسامة يكشفها خبراء القلوب والمشاعر، أما الدموع فمن الصعب أن تنزل منهم، لكن عند من يتقمصون عاطفياً هي أسهل ما يكون.

التقمص العاطفي قد يعقبه اهتمام وانشغال بالآخر، انشغال حقيقي قد يأخذ بعض وقتك وجهدك، فذلك المتسول حين تجد الصدق في كلامه والألم في وضعه ومعيشته، لن تكتفي بكسرة المال التي ترميها بين يديه، بل ستدنو إليه بكل حب وتتحدث معه وتحاول فهم مشكلته وربما سعيت لحلها إن كنت قادر على ذلك، فبدل النصف دولار الذي ترميه، ستبذل 50 دولار كي تشبع جوعه في يومه أو أسبوعه، وبدل النصف الدقيقة التي تقضيها لإخراج المال من جيبك، ستقضي نصف يوم وأنت تسعى لقضاء حاجته وتفريج كربته. سيكون هنالك خطوات عملية حقيقة هي أحد الأدلة الصادقة على أنه لم يكن تعاطفا عابراً، بل تقمصاً عاطفياً حقيقياً.

تحية لتلك القلوب الشفافة، التي تسمح بعبور آلام الآخرين إليها، تلك القلوب التي تتلون مع ألوان الآخرين، وتتشكل حسب أفراحهم وأتراحهم، التي تعطي من مشاعرها قبل أن تخرج من جيوبها، التي تهتم بشكل حقيقي لكل إنسان يعيش بقربها، تلك القلوب هي بلسم هذه الحياة، وهي التي تلطف علينا قسوة الدنيا وتشعرنا بأننا لازلنا في خير، تلك القلوب التي تشوقنا أكثر لدخول الجنة، لأن الجيران هناك سيكون من أمثال هؤلاء، فكما يقال (الجار قبل الدار).