شعار قسم مدونات

في مديح الاختلاف والتدافع!

BLOGS - QURAN
تتأسس الرؤية القرآنية للوجود الإنساني على أساس التعددية والاختلاف، فالله عز وجل قد خلق البشر مختلفين في: تكوينيهم من ذكر وأنثى "وأنه خَلَقَ الزوجين الذَّكر والأنثى"، وفي اختلاف ألسنتهم وألوانهم "ومن آياته خَلْقُ السَّمَاء والأرض واختلاف ألسِنَتِكُم وألوانكم"، وفي عقائدهم "وهو الذِّي خَلَقَكُم فمنكم كَافرٌ ومنكم مُؤمن" .

ومن خلال هذه المكونات المختلفة الإناث والذكور، ذو الألوان والألسنة، والعقائد والمواطن المختلفة تنشأ الوحدات الاجتماعية التي تحدث عنها القرآن بوصفها أساس الاجتماع البشري وهما: الشعوب والقبائل، والتي تتحقق فيما بينها عمليات "التعارف" الإنساني كما يسميها القرآن في قوله تعالى "يا أيُّها النَّاسُ إنا خَلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكْرمَكم عند الله أتقاكُم".

أو تتحقق فيما بينها عمليات "التدافع" والتي ينظر لها القرآن بإيجابية كونها قوة محركة للتاريخ وأساس الإصلاح ومواجهة الظلم والبغي والطغيان الذي ينذر بهلاك الإنسانية وفساد الأرض لولا وجود هذا التدافع كما وصفه الله عز وجل في قوله "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكنّ الله ذو فضل على العالمين" وفي قوله "ولولا دَفعُ الله النَّاسَ بعضهم ببعضٍ لهُدِّمت صَوامعٌ وبيعٌ ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً .." 

لقد ترتب على انقسام البشر بحسب اختلاف مصالحهم ومطامعهم،  أن تكون ديناميات وسنن التدافع والصراع بين الناس وحدها القادرة على إصلاح مايفسده المتجبرين والمتكبرين.

أدى التمايز بين الأمم والجماعات إلى تشكل السلطة وتبلور مسألة الصراع حولها، فلما كان الناس منقسمين اجتماعياً ودينياً وثقافياً، فقد أدت هذه الوضعية إلى استعباد بعضهم لبعض وتسخير بعضهم لخدمة البعض الآخر ظلماً وعدواناً "إنَّ فِرعَونَ عَلا في الأرضِ وجَعَلَ أهلها شِيَعَاً يستضعف طائفة منهم يُذبِّحُ أبناءهم ويَستحيي نساءَهم إنه كان من المُفسدين)

والحال هذه، فقد كانت مهمة الرسل والأنبياء مواجهة هذا الانحراف ومقاومته وفقاً لقيم ومثل متعالية تؤجج الصراع ضد انحراف السلطة عن "الشرعة" و"المنهاج" المطلق الذي يأتي به الرسول ويضعه في مواجهة الوضعية الاجتماعية والسياسية المنحرفة، وهو ما أمر الله به نبيه موسى عليه السلام في مواجهة فرعون "فأتياه فقولا إنَّا رَسُولا ربّك فأرسل مَعَنا بني إسرائيل ولا تُعذّبهم قد جِئناك بآيةٍ مِنْ ربِّكَ والسَّلامُ على من اتَّبعَ الهُدى"

يشدد القرآن في أكثر من موضع وقصة على أهمية التدافع وقيمته العظمى في حياة الأمم والشعوب والقبائل، فالانحراف الذي يعتري الوجود الانساني والبغي والظلم الذي تمارسه السلطة المتجبرة لا يمكن مقابلته دون هذا التدافع والصراع الذي يمثل في صميمه صراعاً على القيم والمبادئ، ومستقبل الإنسانية كلها.

لقد ترتب على انقسام البشر بحسب اختلاف مصالحهم ومطامعهم، وهو انقسام يبدو أنه يتعذر معه إمكانية التوحد في جماعة أو أمة واحدة ذلك أنه "لو شاء رَبُّكَ لجَعَل النَاسَ أمَّةً واحدة، ولا يَزَالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم…"، ترتب عليه أن تكون ديناميات وسنن التدافع والصراع بين الناس وحدها القادرة على إصلاح مايفسده المتجبرين والمتكبرين، وتقويم مسار التاريخ والوجود الإنساني، وإلا فإن تواطؤ الناس على الظلم والبغي فإن مصيرهم الفناء التام الذي ينال الصالح منهم والطالح "واتَّقُوا فتنةً لا تُصيبنَّ الذين ظَلَموا مِنكُم خاصة واعلموا أنَّ الله شديد العقاب" 

إن الناظر اليوم في واقعنا العربي، والذي تستعاد فيه فصل من فصول هذا الصراع القديم/ المتجدد بين البشر على أساس الاصطفاف بين معسكر المتجبرين الذي علوا في الأرض وجعلوا الناس شيعاً وطوائف يضطهد بعضهم البعض، ومعسكر المضطهدين الثائرين الذين ينشدون الحرية والكرامة والعدل ، يجد أن سهام اللوم والتقريع عادة ماتوجه إلى المعسكر الثاني الذين اضطهدوا وشردوا في سبيل نيْل حريتهم وكرامتهم، مستندين عادة على مرويات وموروثات تمجد الوحدة والاندماج في الجماعة وغضّ الطرف عن الباطل في سبيل استمرارية الحياة كيفما كانت كيفية وشكل هذه الاستمرارية.

وإذا كان هذا الأمر متفهماً من قبل بعض العوام الذين سلبتهم معترك الحياة اليومية وعيهم وحريتهم وإرادتهم، وقابليتهم للتمرد والرفض، فإن صدوره من قبل من نصّبوا أنفسهم ناطقين باسم الشرع والدين لهو جريمة بحق هذا الدين الذي جعل قضية التحرر الإنساني قضيته الأولى، هؤلاء الذين جعلوا من فهمهم للدين "ديناً ضد الدين" بحسب وصف المفكر الإيراني علي شريعتي، وهي قضية تستحق الحديث في تدوينة لاحقة بإذن الله.