logo

ميكي ماوس وأنصاف المثقفين

بدءاً من القصص التي رويت لنا أطفالاً ما قبل النوم وانتهاءً بالحكايات التي سنرويها لأحفادنا، رواية القصص هي أكثر الأساليب تأثيراً في أفكارنا ونظرتنا تجاه العالم، حتى وإن زعم زاعم أن القصص والروايات هي أسلوب بدائي لا يصل بصاحبه في عالم الثقافة لأي موصل، وأن الكتب العميقة هي السبيل الأوحد والأسلوب الأجود لفهم الأفكار واكتساب المبادئ، فالحقيقة أن الروايات توصل نفس فلسفات أرسطو أو ابن خلدون بأسلوب أكثر تأثيراً وأوسع انتشاراً يفهمه عامة القراء قبل خاصتهم.

أحد الأدلة على تفرد الأسلوب القصصي وأهميته هو أنه أسلوب قرآني، فالكثير إن لم يكن أغلب الآيات هي قصص تحمل بين ثناياها عبراً ودروس، فنجد مثلاً أن قصة آدم عليه السلام مع ثمرة الجنة تعلمنا الرجوع والتوبة، وقصة إبراهيم عليه السلام مع النظر في الكواكب والتأمل في ملكوت السماء ثم مخالفة دين قومه تعلمنا البحث عن الحق، وهذه المبادئ جميعها لم تكن لترسخ في ذهن القارئ وتستقر في عقله لو أنها كانت أوامر مباشرة بالتوبة والتفكر ومخالفة السائد إن كان الصواب في غيره.

إلى الذين احتكروا البحر الواسع واحتقروا السواد من الناس أقول إن الثقافة ليست بنوع الكتب بل بمضامينها وتأثيرها.

تأثير القصص عميق لأنها تعطي مثالاً واقعياً لشخصية حقيقة بدلاً من التنظير، وهي مؤثرة لأنها تأخذ القارئ لعالم ممتع ومشوق يتملك أحاسيسه ويشده إلى استنتاج الدرس وفهم المغزى بنفسه، دون أن يقدمه له الكاتب بأسلوب حرفي.

قد لا تكون القصة وسيلة فعالة لشرح نظرية أينشتاين النسبية، أو تفصيل الوجه السياسي للشرق الأوسط، لكنها بلا شك أسلوب فعال يغير من مشاعر القارئ ويوجه تفكيره أكثر من أي مقال أو كتاب، فالقارئ هو بطل القصة هنا وهو أحداثها، هو أشعل مركبته ليسافر عبر الزمن ويعيش هناك في تلك النقطة من خيال الكاتب، سافر ليصل للمكان والزمان حيث الأحداث والشخصيات، يتأثر بما يتأثرون به ويفكر بما يفكرون.

وفي الفترة الماضية هاجت موجة على هؤلاء الذين لا يعرفون من الكتب إلا الروايات ولا يألفون من الكتاب إلا نجيب محفوظ وباولو كويلو، ولا يزورون معارض الكتب إلا للحاق بأحدث دور نشر الرواية. وتم اتهامهم بالسطحية والسذاجة والتطفل على مجتمع المثقفين المقدس الذي يعد الروايات والقصص "لعب عيال" وأسلوبا بدائياً لا يوصل من الأفكار إلا أبسطها وأضعفها.

فإلى الذين احتكروا البحر الواسع واحتقروا السواد من الناس أقول إن الثقافة ليست بنوع الكتب بل بمضامينها وتأثيرها، وكم من كتاب معقد لا يُفهم ما فيه ذهب فيه صوته أدراج الرياح دون أدنى تأثير في الناس، وكم من قصة بسيطة اللغة عميقة القيمة غيرت أفكار الناس وأثرت فيهم.

علينا أن نتوقف عن النظر بدونية لقراء الروايات، فهم ليسوا أنصاف مثقفين أو ضيقي مدارك، بل علينا أن نشجع على القراءة ونحث عليها، ولا مانع من أن يبدأ الواحد منا مشواره الاطلاعي بقراءة السلس البسيط المحبب إلى النفس، حتى ولو كانت هذه البداية هي نظراتِ المنفلوطي أو حكايات جحا أو حتى قصص ميكي ماوس.



حول هذه القصة

فاز كتاب “أشكال لا نهائية غاية في الجمال: علم الإيفوديفو الجديد وصناعة مملكة الحيوان” للباحث الأميركي شون بي كارول بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عن فرع الثقافة لعام 2016.

فقد المشهد الثقافي العربي هذا العام عددا من الوجوه الفكرية البارزة التي تفاعلت مع الثقافة الغربية سواء بترجمتها وتأصيلها أو باستعمال أدواتها في تحليل ومقاربة الثقافة العربية الإسلامية.

فقدت الساحة الفنية العربية خلال العام الجاري عددا من النجوم الذين قدموا طيلة عقود أعمالا سينمائية وتلفزيونية ومسرحية لامست مواضيع متفرقة بأساليب مزجت بين مختلف المدارس الحديثة والثقافة المحلية.

إعلامي وداعية سعودي؛ درس الإدارة لكنه عمليا كرس حياته للعمل الإعلامي التثقيفي، حيث اشتهر بتقديم البرامج التلفزيونية الساعية “للتأثير الإيجابي” في حياة الناس وغرس قيم الثقافة التطوعية في نفوسهم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة