logo

منهج الإسلام في سورة العصر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ  "وَالْعَصْر ِإِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر ٍإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر ِ".

إن هذه السورة القصيرة المكونة من 3 آيات فقط ونقرؤها كثيرا فى صلاتنا تحتاج منا إلى كثير من التدبر والحقيقة أن القرآن كله يحتاج إلى التدبر ولهذا أنزله الله لنتدبره "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (ص29) لأننا لو تدبرناه لفهمناه ولعلمنا ما الذي يطلبه الله منا.

هذه السورة 3 آيات الآية الأولى الله يقسم بالعصر ؟! لماذا يقسم ربنا ؟ هل لكى نصدقه – طبعا لا فالله هو الحق ولا يقول إلا الحق إذا سبحانه يقسم لكى ننتبه لأهمية ما يقوله لنا ويخبرنا به – الآية الثانية يوضح لنا حقيقة رهيبة وخطيرة ونحن نقرأ السورة كثيرا ولا نلتفت.. فما هي هذه الحقيقة ؟ "إن الإنسان لفى خُسر" ياويلي إن كل ما هو إنسان، وأنا منهم فى خسر؟ هل من الطبيعي أن يهدأ لي بال بعد ذلك؟ ماذا أفعل وأين المهرب؟

إذا كنا نأخذ كلام ربنا مأخذ الجد ونعلم أننا مغادرون لهذه الدنيا ولا نعرف موعد المغادرة وتأتى الآية الثالثة لتوضح سبيل النجاة : إلا الذين آمنوا- فقط ؟ بل وعملوا الصالحات،  فقط؟ وتواصوا بالحق، فقط؟ وتواصوا بالصبر. قبل أن أتوجه لتدبر الآية الأخيرة – ألاحظ أن الله أقسم بالعصر فى هذه السورة بالذات التي يتحدث فيها عن أن الإنسان فى خسر، إلا الذين استثنتهم الآية الثالثة، أقسم بالعصر وهو حسب جمهور المفسرين هو الدهر والزمان، أي المجال الذي يحيى فيه الإنسان (والله يقسم بما يشاء مما خلق).

قد أتعرض في عملي لمواجهة موقف صعب يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد يعرضنى للإيذاء وهذا يحتاج للصبر وأنا موقن بأن الحقيقة هي يوم القيامة.

نعود للآية الثاثة: يستثني الله الذين آمنوا،  ولكن الايمان الصادق يصدقه العمل وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل) وعمل الصالحات يقتضي أن أعرف ماهي الصالحات – وهذا جزء من التواصي بالحق أى تعلمه لأنه يحتاج لجهد ولكن لو سعيت له سيسره الله لنا كما وعدنا فى آخر سورة العنكبوت: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)" 69 العنكبوت) فأن أجاهد نفسي لأتعلم سييسر الله لي السبل الصحيحة ولكن لا بد من بذل الجهد.

 "وتواصوا بالحق" وهذا التواصي بالحق بالجهد للتعلم مع نفسي كما تبين لنا، ومع من أنا مسؤول عنهم من أهل بيتي وكذلك من أصدقائي وأقاربي وجيراني بالحسنى أدعوهم – ثم يأتي التواصي بالصبر– فلابد من أن ألاقي عنتا لكي أتواصى بالحق بدرجات مختلفة – مع نفسي سأخصص بعض الوقت والجهد للتعلم الصحيح بنية التعلم لوجه الله للعمل بما أمر الله – فنحن نأخذ كل أمورنا بجدية إلا أمور الدين! مع أن الله أمرنا بالاستقامة على أمر الدين "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"(هود112).

لا أريد أن أطيل فى سرد الآيات ولكن المسلم مطالب بتعلم دينه – ليست الصلاة والصوم واللحية والحجاب (مع وجوب هذه الأشياء وجوبا تاما) ولكننا أمرنا بإعمار الأرض – لابد من تعلم الدين وتوجيه بوصلة النية لله – فأنا أجهز رسالة دكتوراة مثلا فى الطب أحاول ضبط البوصلة أن يوفقني الله لنفع الناس بذلك وبالتدبر فى قدرة الله التى تظهر لي وأنا أجري البحث الذى أقوم به، ولا ننسى أن أول كلمة نزلت من القرآن كانت "اقرأ" والآيات التى تدعو إلى التدبر فى خلق السماوات والأرض كثيرة كذلك، لكي أكون من العاملين بالحق، سأتعرض لمشاكل تتوقف على موضعي الذى قدره الله لي فى المجتمع الذي أعيشه، فقد أكون فى منصب كبير وأتعرض للرشوة لكي أضيع حق إنسان وأعطيه لآخر، بل قد أتعرض للإيذاء إذا لم أفعل ذلك، هنا التمسك بالحق والصبر على الإيذاء يكون هو التواصى بالصبر.

بقي الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذا واجب ضيعناه – وهو لا يقتضى منى أن أُمْسِكْ بعصا وألوح بها على الناس، بل إنه بالحنان والملاطفة يكون أجدى وأنفع وحسب الحالة والوضع الذى أنا فيه فلا مانع من أن أسأل بائع صغير وأنا أشتري منه عن صلاته وهل يصلي أم لا، وأعظه بمحبة وأشجعه على الصلاة، وأبين له أننا هنا فى تمثيلية ولعب وأننا نريد دخول الجنة – وأتجنب كلمة الآخرة لأنها عند غير المتدينين مرتبطة بالموت الذى يكرهه كل الناس ولكن أهل الدين يعلمون أنه بداية الحقيقة – ولذلك يكون كلامي هو : لكي ندخل الجنة ولا ندخل النار –هذا في أبسط الأوضاع– ولكن قد أتعرض في عملي لمواجهة موقف صعب يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد يعرضنى للإيذاء وهذا يحتاج للصبر وأنا موقن بأن الحقيقة هي يوم القيامة وما فيه وما يتبعه – والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو واجب هذه الأمة وسبب خَيْرِيَّتها :وهذا هو القرآن يوضح لنا ذلك (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)(آل عمران 110).

فالآية توضح أننا خير أمة لأننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ثم تبين الآية وتقول وتؤمنون بالله أى أن الإيمان بالله لكى يكون كاملا وصحيحا فلابد قبله من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر – بل إن سبب ضلال بني إسرائيل هو تركهم هذا الأمر ولننظر فى سورة المائدة :(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ -78 – كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ" 79) فالآيات تبين أن الله لعنهم لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه – ولكننا للأسف اطمأننا إلى أننا مسلمين هكذا وارتحنا إلى ذلك ونسينا أننا مسؤولين عن هذا الدين.

ولننظر فى سورة يوسف : (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آية 108 فالآية توضح أن سبيل النبي صلى الله عليه وسلم هو الدعوة إلى الله هو ومن اتبعه كل على قدر ما علم – ولو كان الأمر هو عبادة وصلاة لكان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بقوا بجوار الحرم يصلون ويتعبدون ولما انتشروا فى الأرض ومات أكثرهم فى فتوحات لنشر الإسلام، وهذا لقمان الحكيم يلخص لإبنه الأمر فى هذه الآية ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) آية 17 سورة لقمان – ما أحوجنا إلى تدبر القرآن والعمل به.

اللهم بصرنا بديننا واجعلنا من الذين يرجون رحمتك وتقبلنا فى الصالحين آمين



حول هذه القصة

اتفق قادة المنظمات الإسلامية بإندونيسيا مع السلطات على أن يحشدوا أنصارهم في مسيرة ثالثة لنصرة الإسلام الجمعة القادم. وتطالب هذه المنظمات بسجن حاكم جاكرتا المتهم بالاستهزاء بالقرآن الكريم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة