logo

فولتير: التسامح الكوني يشمل المسلمين

فرانسوا ماري أوريه دي فولتير الشهير باسم (فولتير) والمدافع الأكبر عن فكرة التسامح الديني وحرية الرأي والتعبير وأهم كاتب عرفته فرنسا في عصر التنوير والعقلانية وهو أول من صرخ في وجه ملوك أوروبا أوقفوا عار شن الحروب الدينية وليعيش الجميع بسلام كاثوليك وبروتستانت ومسلمين وطالب بما سماه التسامح الكوني بأن يعيش كل أصحاب الأديان والمذاهب بسلام جنبا إلى جنب تحت حماية الدولة.
 

في أوروبا تتصاعد موجات العنصرية والتعصب تجاه المسلمين وفي أمريكا يصعد دونالد ترمب وحزب الشاي الإسلامفوبيا وهذا كله مقدمات لعمليات غزو متوقع للعالم الإسلامي

لقد كان فولتير شغوف بدراسة الشرق أديانه ومذاهبه فهو المكان الذي جاءت منه المسيحية ديانة والديه والذي شعر بعدم الإنتماء لها في شبابه تحت ضغوطات نزعات شكية فاعتنق المذهب الربوبي بتأثير من أستاذه بيير بايل ودخل في جدالات مع الكنيسة استطاع الإنتصار فيها على الكنيسة التي تحولت من مؤسسة للهداية لمؤسسة للتعصب الديني وتصدير الكراهية وداعم رئيسيا للملوك المستبدين الذين كانوا باسمها فكان الملوك يعلنون الحرب ضد الهراطقة إرضاءاً للكنيسة مقابل أن تغفر لهم ذنوبهم وجرائمهم التي اقترفوها بحق الشعوب.

تعرف فولتير على الإسلام أثناء زيارته لبريطانيا منفيا من قبل حكومة بلاده وهناك وجد ترجمة إنجليزية للقرآن للمستشرق جورج سيل عكف على قراءتها وألهمته في كتاب مسرحيته (مهمت)(1) وبعد عودته لفرنسا كانت قضية التاجر جان كالاس البروتستانتي في تولوز الذي انتحر ابنه بسبب خسارته في القمار وحاصر الأهالي المتعصبون بيته واتهموه أنه قام بقتل ابنه لأنه أراد اعتناق الكاثوليكية وقامت السلطات القضائية بالحكم عليه بالإعدام لتهدئة المتعصبين بينما قام فولتير بكتابة رسائله الرائعة (امسحوا العار) أو ما تعرف عليه برسائل التسامح دفاعا عن هذا العجوز المسكين الذي يراد أن يكون قربانا لتهدئة تعصب بعض الرعاع دون أن يكون له أي دور في قتل ولده الذي مات منتحرا لقد قال فولتير في تلك الرسائل جملته الخالدة
 

"إني سأذهب لأدعوكم إلى اعتبار جميع البشر إخوة لكم ماذا تجيبون؟ أيكون التركي شقيقي؟ والصيني شقيقي؟ واليهودي والسيامي؟ أجل بلا ريب ألسنا أبناء أب واحد ومخلوقات إله واحد؟ وقد يقول قائل ولكن هذه الشعوب تحتقرنا وتعتبرنا عبدة أوثان حسنا سأقول أنها مخطئة وسأربك الإمام المكابر والراهب البوذي المتعجرف إذا ما خاطبتهما أن هذه الأرض ليست أكثر من نقطة دائرة في الفضاء ونحن ضائعون في هذا الكون الشاسع اللامتناهي الأبعاد.."

 

وقام بفولتير بعملية نقد عميقة للحروب الصليبية أو ما سماها فولتير الهيجان الوبائي ففي روايته مايكروميجاس تخيل فيها أن مخلوقا فضائيا نزل من النجوم وكان ضخما جدا وغرس أقدامه في البحر المتوسط الذي كان أمامه كالمستنقع ليجد أمامه جسم يتحرك في سطح الماء تبين أنه سفينة صليبية ترغب في غزو فلسطين فرفعها عاليا وبينما هم يصرخون ويصلون بصوت عالي سألهم من أنتم فأجابوه أنهم ذاهبون إلى قطعة أرض يحتلها رجل يسمى السلطان (فلسطين) ويدعيها رجل يسمى القيصر وأن الرجال ذو البرانيط (الصليبيين) يقاتلون الرجال ذو العمائم (المسلمين) فيقول المخلوق الفضائي إنه يشعر أن عليه أن يذهب وسحق وكر المحرضين الذي يصدرون الأوامر بقتل الناس وهم في دواوينهم متنعمين دون أن يقوموا حتى بزيارة الأرض التي يدعون القتال في سبيلها والتي هي أٌصغر من كوع المخلوق الفضائي.

 

لا يمكن للأوربيين فرض دينهم ومعتقداتهم بالقوة على بعضهم وعلى الأمم والشعوب الأخرى وعليهم أن يقبلوا حقيقة أن الإسلام دين موجود لا يمكن إزالته

وفي مقطع من أحد رسائل فولتير يقول "أقول هذا بمرارة ولكنها الحقيقة، نحن المسيحيين كنا الجلادين والمضطهدين والمجرمين، اضطهدنا من؟ إخواننا، فنحن من دمر مئات المدن، فعلنا ذلك والصليب أو الإنجيل في أيدينا، ولم نتوقف عن إراقة الدماء، وإشعال المحرقات منذ حكم قسطنطين إلى حدود فظائع اللحميين الذين يسكنون جبال سيفين، إنها فظائع لم تعد موجودة الآن بحمد الله"

وكتب فولتير مقالة تاريخ الحروب الصليبية ليعقد مقارنة خطيرة جدا بين سلوك الصليبيين عندما غزو القدس وبين سلوك صلاح الدين الأيوبي عندما دخل القدس ومقدار التسامح الذي أظهره مع النصارى والذي يختلف جذريا عن سلوك الصليبيين العدواني عند دخولهم للمدينة أول مرة وقتلهم 70 ألف من أهلها دون أي جريرة أو ذنب.

 

القارئ المتمعن في ما كتبته يد أديب فرنسا الخالد يجد أنه كان يتمنى أن تسود قيم التسامح أوروبا وأن يقتنع الأوربيين أنه لا يمكن فرض دينهم ومعتقداتهم بالقوة على بعضهم وعلى الأمم والشعوب الأخرى وعليهم أن يقبلوا حقيقة أن الإسلام دين موجود لا يمكن إزالته كما أن الهندوسية والبوذية أديانا موجودة وأن الثمن الذي دفعته أوروبا في وهم حروبها الدينية كان ثمنا باهضا جدا، وبعد كل ذلك ظل الكاثوليك كاثوليكا والبروتستانت بروتستانتا والأتراك مسلمون وكان يمكن تجنب هذه الخسارة بالتعاون بين الجميع وقد نجح مراده بعد أقل من مئة عام حيث انضمت الدول الأوربية المسيحية إلى جانب الأسطول التركي لإيقاف العدوان الروسي في القرم وبدأ تشكل هيكل النظام الدولي ما بعد معاهدة بروكسل بعد الحرب فأصبح الإعتداء والتوسع على حساب الدولة العثمانية ممنوعا على الأوربيين وغيرهم ولم يعد بإمكان العثمانيين أيضا التوسع باتجاه أوروبا وصدرت قوانين المواطنة في الدول الأوربية.

ويبدو أن ما كان في القرن الماضي دليلا كبيرا على انتصار فولتير بعد موته على التعصب يوشك على أن ينتهي ففي أوروبا تتصاعد موجات العنصرية والتعصب تجاه المسلمين وفي أمريكا يصعد دونالد ترمب وحزب الشاي الإسلامفوبيا وهذا كله مقدمات لعمليات غزو متوقع للعالم الإسلامي بحجة مكافحة وهم الإرهاب فما أحوج عالمنا المعاصر لفولتير جديد يوقف استئناف الحروب الدينية.

 

_____________________________________

(1) وقد كانت هذه المسرحية هي أسوء أعمال فولتير مطلقا بشهادة جميع النقاد فالسيد فولتير كان جاهلا فعلا بالسيرة النبوية تماما فقد جعل زعيم مكة اسمه الزبير وجعل زينب بنت جحش وزيد بن حارثة عبدين للنبي وتخيل أن محمداً وعمر بن الخطاب كانوا يعرفون سرا أن والد زينب وزيد هو الزبير (زعيم مكة) ولذلك فقد حرضا زيداً على قتل أبيه في فتح مكة لأنه كان زعيم كفار مكة.. القصة كلها كانت مجموعة من الأكاذيب تتراكم فوق بعضها ولم يكن فولتير يتحلى بأدنى معايير الموضوعية واعتذر المؤرخون له أنه كتب هذه المسرحية وكان مقصده السخرية من الكنيسة وقد اعترف فولتير في أحد رسائله وقال كان يقصد الكنيسة الكاثوليكية لأنها حرضت اتباعها على قتل الملك الفرنسي هنري الثالث لأنه أراد إعطاء حقوق لأقلية الهونجووت الفرنسيين والذين كانوا عند الكنيسة هراطقة فتحمس الراهب جاك كيلمان واغتال الملك هنري وكافأته الكنيسة بأن وضعت صورة كقديس في الكنائس وأعلن بابا روما غفران جميع ذنوبه لأنه خلص فرنسا الكاثوليكية من الملك الهرطوقي وقد اعترف فولتير لملك بروسيا فردريك أنه ألف القصة من أجل جذب الجمهور (إنني كنت متحمساً وألبست محمداً جريمة في هذه المسرحية، التي لم يكن قد ارتكبها في حقيقة الأمر).



حول هذه القصة

قالت مصادر للجزيرة إن اشتباكات بالأسلحة وتبادلا للقصف المدفعي يجري بالموصل بين القوات العراقية وعناصر تنظيم الدولة. من جانب آخر، قتل ثمانية أشخاص بينهم ضابطان بمواجهات في محافظة صلاح الدين.

صدق برلمان إسرائيل (الكنيست) بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون يهدف لإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية العشوائية بالضفة الغربية المحتلة, وذلك بتأييد ستين عضوا ومعارضة 49.

قالت الولايات المتحدة إنه تم غلق سفارة مزيفة لها في غانا كانت أدارتها شبكة إجرامية لعشر سنوات، وكانت خلال هذه الفترة تصدر تأشيرات ووثائق سفر مزورة مقابل مبالغ كبيرة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة